قصة قصيرة:مواهب حسن عمر محمد

يجلسون باضطراب في صالة إنتظار واسعة، ترتجف أطرافهم، و يبدو علي ملامحهم الهلع و الغفلة، رغم ان الجميع كان قلقا جدا، إلا ان من بينهم امرأة في العقد الخامس من عمرها كان قد هزمها الصبر فاستسلمت لجيوش الجزع، و أبت إلا ان تتخبط بين جلوس ووقوف،واضعة كلتا يديها علي رأسها ، صامتة لا تقوي علي قول شئ.. تجول ببصرها بين الأرض و نور تلك الغرفة ،آملة منه ان ينطفئ لتطمئن علي روحها القابعة بالداخل بالقرب منهم كنت انا ، في غرفة طليت جدرانها بالأبيض و كذا أسرتها ، لا يُرَي من جسدي سوي كسور و جروح عميقة للغاية و سائل أحمر قاتم يأبي التوقف عن الإنسكاب، الغريب في الأمر انني لم أكن أشعر بالألم علي الإطلاق!! يلتف حولي ثمانية أطباء مختلفي التخصصات ثمة طاولة كبيرة كانت تعج بأدوات و أجهزة طبية لم أرها قبلا إلا خلسة في تلفاز جارنا ذاك، خلف النافذة الزجاجية امرأة تبكي بحرقة، بينما همّ الحرس بابعادها عن تلك الغرفة، رغم انني لم اعرف من هي تلك التي تبدو خائفة علي بهذا القدر، إلا انني شعرت من خلال نظراتها بوجود صلة قوية تربطني بها ثمة إبرة تخترق جسدي إلا انني أكاد لا أشعر بوخزها أحدهم قام بتخديري، لكنني ما زلت واعيا، أخبروه ان لا يخاف ، فانا لا أشعر بشئ مؤلم! أغمض عيناي و أتركهم يعملون علي جسدي بهدوء و في تفانٍ لا أذكر شيئا عن الحادثة سوي انه كان صباحاً عادياً ، نهضت فيه متثاقلاً كالعادة من ذلك السرير الخشبي العتيق، كانت أمي حينها تستعد للخروج الي السوق الشعبي ، حيث تعمل ببيع الشاي صباحا و الخضار في فترة ما بعد الظهر ..
عفوا…هل قلت أمي ؟!
لا أدري لما تلوح لي صورة المرأة التي تبكي خلف النافذة كلما ذكرت أمي ، لا أعلم.. ربما كنت أهذي!
المهم ، قبل ان تخرج تمنت لي الخير في عملي الجديد و الذي لم تكن تعلم ماهّيتِه، في الحقيقة لقد تعمدت ألا أخبرها ، فأمي هي الوحيدة التي تعلم مدي خوفي من الأماكن المرتفعة ، و مهنتي هنا يا سادة نقل أدوات البناء من و الي السقالة في مبني ذي خمسة طوابق! مقابل عشرة جنيهات.. و العشرة جنيهات هذه كانت سببا مقنعا للغاية لشخص مثلي يكفي انها ستفي بشراء الحلوي و الأقلام الملونة للصغيرة أختي و خبز حار لثلاثتنا وصلت مبكرا لموقع العمل كان المكان يضج بالعمال و بعض المهندسين و رغم اني كنت أصغرهم سنا ،لكنني شعرت بالفخر لإقدامي علي هذه الخطوة المهمة ، عبأت السقالة بما يلزم من جوالات الأسمنت ثم وقفت علي مضض فيما تبقي من فراغ ..مرت ثواني و كأنها دهور ،قبل ان تتحرك تلكم الآلة ، أغمضت عيني بشدّة حتي لا ينتابني ذاك الشعور الغريب، لكن ذلك لم يعد كافيا حين زادت الحركة قليلاً وددت لو أصرخ ، لو يعود بي الزمان لسريري الخشبي ذاك، لما بارحته و لا خرجت في هذا اليوم المشؤوم، يا لها من جنيهات عشرة !! التي تفعل بي هكذا..
ياااه لحلواكِ يا صغيرتي ، و لأقلامك الرمادية تلك،
افتح عيناي بخوف، انه الطابق الثاني.. أين عقلي؟!
لا شك انه كان في نزهة حين وافقت علي هذه المهنة، فلتعد يا عزيزي و تنقذنا من هذا الهلاك!هواء قوي جدا، يبدو كأنه يصفعني علي هذه الحماقة التي ارتكبتها استجمعت ما تبقي لدي من شجاعة و نظرت الي الاسفل، لكنني لم أر شيئا، لم أعد أسمع ذاك الحفيف القوي أذكر ان آخر ما سمعته كان صوت ارتطام قوي جدا بالأرض ، لم أدر ما هو!!.فتحت عيناي ببطء هذه المرة، ما زال أولئك الثمانية يعقدون اجتماعهم علي جسدي!دعونا منهم..اتجه ببصري نحو اليمين قليلا أين أمي يا تري؟! ياااه ما زالت المرأة خلف النافذة تبكي بحرقة!!