الجالية السودانية في السودان

480لفت نظري واستوقفني بصحيفتنا هذه «الصحافة» أمس، خبران حول تكاثف الوجود الأجنبي بالبلاد، الأول أوردته الصحافية المجودة والمجتهدة نفيسة محمد الحسن، وملخصه أن عددا من الخبراء والمختصين جأروا بالشكوى من الارتفاع المضطرد لأعداد العمالة الوافدة وانعكاسات ذلك السالبة على الأمن القومي والاقتصادي والاجتماعي، والخبر الآخر مؤداه أن المجلس القومي للهجرة والوجود الأجنبي تدارس في اجتماع له برئاسة نائب الرئيس قضية ادارة الوجود الأجنبي، وقبل ذلك كانت الصحيفة نفسها نظمت منتدى بمبناها تداول هذه القضية، وكثرة التداول حول القضية يعني أهميتها وخطورتها..
أذكر حين تكاثر وجود الأجانب بإحدى المدن السودانية الحدودية حتى طغى أو كاد على نسبة المواطنين، أطلق بعض الساخرين على السودانيين هناك مسمى الجالية السودانية، وهنا في العاصمة الخرطوم بدأت منذ مدة تتعالى الأصوات الناقمة على الوجود اللافت للأجانب بمدنها الثلاث، ويقدر بعض الباحثين نسبتهم بــ 40 في المائة من جملة سكان العاصمة، بينما تذهب تقديرات سابقة لوزارة الداخلية الى أن عدد الأجانب بكل البلاد تجاوز الأربعة ملايين شخص، ومن المؤكد أن هذا العدد قد ارتفع الآن ولم ينخفض بدلالة الوجود الظاهر لهؤلاء الأجانب في البيوت والشوارع والمصانع والمزارع والكافتيريات… الخ، كما تؤكده الحدود المفتوحة على مصراعيها لكل داخل بطريق غير مشروع دون أن يجد ما يعترضه حتى يبلغ مبتغاه، علاوة على عدم اتخاذ السلطات لأي إجراءات ملحوظة لضبط هذا الوجود الأجنبي غير المشروع، ولا نقصد هنا بالطبع كل الوجود الأجنبي، فهناك وجود لأجانب بشكل شرعي ومقنن، ولهذا يجدر التنبيه لعدم تهييج الرأي العام وتعبئته ضد أي وجود أجنبي، فالوجود الشرعي للأجانب سواء اكانوا عرباً أو أفارقة أو آسيويين أو حتى أوربيين هو وجود طبيعي، فكل دول العالم بها أجانب عاملون فيها ومستقرون بها، ونحن جزء من هذا العالم بل أننا لنا وجودنا وانتشارنا في كثير من دول العالم إن لم نقل جميعها، وهذا ما يملي علينا ضرورة تفهم وجود أجانب بين ظهرانينا، فنحن أيضاً وفقاً لمواثيق وقوانين إنسانية دولية لدينا سودانيون أجانب في الدول الأخرى.
ليس من الحصافة أن نغلق حدودنا بالضبة والمفتاح و«نقفل بابنا علينا» وننغلق، كما أنه من الغفلة أن ندعها مفتوحة هكذا «قراش» للغاشي والماشي؛ يدخلها من يشاء وقتما يشاء «بلا احم ولا دستور»، المطلوب بين هذا وذاك، أن نتقبل الوجود الأجنبي الشرعي والمقنن والمعروف والمضبوط، ونكافح التسلل خلسة والوجود غير الشرعي، وتلك مهام لن نزاود عليها السلطات المختصة فهي أعرف وأدرى منا بها، مثل تسجيل وحصر الأجانب في البلاد ومعرفة أماكن عملهم وسكنهم بدقة، وعدم السماح لهم بممارسة أي عمل إلا بموجب تصريح، واتخاذ إجراءات مشددة في مواجهة المخالفين، وضبط الحدود والمعابر وعدم التساهل الى آخر هذه الإجراءات، أما عن عاملات المنازل اللائي يشغلن بال وزارة العمل الولائية، فما قلناه عن ضرورة ضبط الوجود غير الشرعي ينطبق عليهن بالضرورة.