فيروس الطلاق الوبائي

485أطالب بتخصيص عيد للزوج المثالي، على غرار عيد الأم، وأرشح نفسي من قولة تيت للفوز باللقب، ولكنني لن أقبل جوائز الدلاقين والشهادات المبروزة، التي حصل عليها نحو مليوني شخص حسبما نشاهد في قنواتنا الفضائية، حيث لا يمر يوم دون تكريم دفعة من الناس، معظمهم نكرات، ولكن من ينظمون حفلات التكريم لهذه الفئة، يأملون في أن البكش الذي يمارسونه مع من يتم تكريمهم، سيعود عليهم ببعض الفائدة.
وصاحبكم زوج مثالي بشهادة السلطة القضائية، التي أصدرت تقريرا جاء فيه أن نحو 33% من الزيجات التي تمت ما بين أكتوبر وديسمبر من العام الماضي انتهت بالطلاق، ونصف الزيجات في بحري ومنطقة شرق النيل «وأنا ابن بحري بحكم الميلاد فيها والسكن»، انتهت بالطلاق، أما أهل جنوب دارفور فقد كانوا عقلاء لأنه – فيما يبدو – أدركوا دون غيرهم، أن الزواج سبب رئيسي للطلاق، فامتنعوا عن التزاوج، فقد شهدت الولاية في الربع الأخير من عام 2016، فقط 152 زيجة، ومع هذا طرشق أكثر من نصف تلك الزيجات، أما أهل ولاية النيل الأزرق، فإنهم بحاجة ليس لمشورة شعبية، بل لفريق من الوعاظ والباحثين الاجتماعيين والأطباء والمحللين النفسانيين والمحسنين، فقد تفرقت السبل بين 77% من المتزوجين والمتزوجات في تلك الولاية.
«وقع ليكم كلامي» قبل ثلاثة أيام، عندما عقبت على دعوة لشيخ من هيئة العلماء يحث فيها الرجال على الزواج بأكثر من واحدة، لمحاربة العنوسة وتحصين بناتنا، فقلت إن الزواج بواحدة صار في تلتلة، وها هي أرقام السلطة القضائية تؤكد أن الاحتفاظ بزوجة واحدة أيضا صار في تلتلة.
لماذا خراب البيوت بالجملة هذا؟ ما كنا كويسين ونتوصى حتى بسابع جار؟ كيف جار الزمان على الأسرة السودانية فصارت تقوم على أسس من فروع العُشَر، حتى هان الزوج على الزوج وهانت العُشرة؟ «العُشر، بضم العين وفتح الشين، نبات صحراوي أوراقه شديدة الخضرة وجذوعها وفروعها قد تكون سميكة، ولكنها تتكسر إذا عطست بالقرب منها، لأنها «فاو»/ مجوّفة، ويقول الشوايقة عن الشخص المسكين الذي يتفرعن: العُشر قام ليهو شوك».
المهم يحق لي ولأبناء وبنات جيلي، أن نفتخر بأن زيجاتنا صمدت لعقود طوال، وحدث ذلك لأننا كنا نتاج مجتمع متماسك ومكافح، فقد كان كل قادر على العمل يكسب قوته الضروري، ليس لأننا أكثر إحساسا بالمسؤولية من جيل الشباب، الذين ينظمون حفلات الخطوبة ثم ينهالون على رؤوس بعضهم البعض بالشواكيش، أو يقول فيه طرف لآخر في بيت الزوجية «خوة فرتق»، بل لأن فرص العمل الشريف والمسكن المريح والكساء النظيف والطعام الشهي كانت متاحة، وكنا نشرب الماء من الحنفيات، في حين أن ماء حنفيات هذا الزمان قد لا يجوز بها الغسل، وبعضنا كان يشرب من النهر والجداول، لأنها لم تكن ملوثة بفضلات بشرية أو سينايد وزئبق التعدين السبهللي للذهب.
الزواج القائم على المهر المتلتل، يقود الى التلتلة بعد شهور من إبرامه، وتنفق ما قدامك ووراك لتقديم شيلة عليها القيمة للعروس، ثم تعجز عن ان تشيل شيلتك عندما يتطلب الأمر إدارة بيت الزوجية، ولهذا كنت دائما أشيل هم من يتم تزويجهم جماعيا في حفلات جماهيرية: ثم ماذا بعد؟ تكفل أهل الخير بنفقات زواجك وأعطوك مبلغا بسيطا من المال لتفتح بيتا، وبعدها بأشهر تقعد «فاتح خشمك»، ومع هذا تكون عاجزا عن النطق، فحالك يغني عن السؤال.
انهيار الزيجات بهذه المعدلات الضخمة، مؤشر لانهيار منظومة القيم التي كنا نباهي بها الأمم، حتى لم يعد فينا خير حتى لـ»شركاء حياتنا»، وانهارت القيم، لصعود الفقر في العمود الفقري لمجتمعنا، ولا مخرج من هذا الحال المأساوي بالخطب والمواعظ والنصح والإرشاد، فما من شخص يتزوج إلا وهو عاقل وراشد، وما من عاقل وراشد يخرب بيته ما لم يكن عاجزا عن الاحتفاظ بتماسك بيته.
وطالما «حالنا حال»، فسيبور جيل كامل من الشابات والشبان، وربما يرى بعضهم أنه من الخير لهن ولهم أن يلزموا بيوت الأهل، من أن يدخلوا بيوت الزوجية، ويخرجوا منها بلقب سكند هاند.