الشباب في محمية الدندر.. إعادة اكتشاف أجمل المناطق السياحية وحياة برية متنوعة.أكثـــر مـــن 983 نوعــــاً مـــن الطيــــــور

ALSAHAFA-20-4-2017-55

الدندر: محمد عبدالله ـ حسن العبيد – تصوير: أشرف الشاذلي

انطلقت خلال الايام الماضية رحلة نظمتها جمعية الاعلاميين الشباب «جاش» الى محمية الدندر الطبيعية التي أنشئت عقب مؤتمر لندن الشهير في العام 1935 والذي حدد بموجبه العديد من المحميات في أفريقيا، ومع «جاش» كانت لكافة وسائل الاعلام من صحف وقنوات فضائيات واذاعات محلية وعالمية استجابة لإنجاح هذه المهمة الوطنية.
الرحلة كانت بغرض تسليط الضوء عليها بوصفها واحدة من اجمل المناطق السياحية بالبلاد، وإعادة الى اذهان العالم أن لدينا محمية طبيعية تعج بالحياة البرية كافة من افيال افريقية ضخمة واسود وغزلان وظباء الماء فضلا عن الجاموس الافريقي والزراف الى جانب أكثر من حوالى «983» نوعا من الطيور ترتع في مساحة تساوي مساحة دول كاملة، هذه الميزات صنفتها في العام 1979م كأغنى محمية على مستوى العالم لما تحويه من اعداد ضخمة من الحيوانات والطيور، ومن المعلوم انه تم إعلانها محمية قومية في بواكير العام 1935م ، وتقدر مساحتها بحوالي 10292 كيلو متر مربع وتبعد المحمية عن الخرطوم مسافة 300 ميل مربع وتقع بولاية سنار ويجري بها نهرا الرهد والدندر بالإضافة الى خور قلقو بجانب أنها تصب فيها بعض البرك « الميعات « في فترة جفاف الأنهار كـ«ميعة» عين الشمس وراس عامر وغيرها من أماكن ورود الماء للحيوانات ما جعل من المحمية تفرز تنوعا نباتيا وحيوانيا هائلا.

وكشف لنا القيمون على امر المحمية أن الفترة من «يونيو حتى أكتوبر» من أفضل الفترات لزيارة المحمية ذات الموقع الفريد في الجنوب الشرقي للبلاد، المشاهد لسهولها يجد أنها تغطت بالحشائش والنباتات بجانب الإدغال، البرك، البحيرات وملتقيات الأنهار، ما خلق بها مناخا مناسبا لتكاثر الحيوانات ويتيح الفرصة للسياح لاكتشاف ثراء الطبيعة البكر.
ويذكر أن محمية الدندر تتميز بتنوع بيولوجي ونباتي جعل منها واحدة من أهم الحظائر البرية في أفريقيا والعالم ما أهلها لتكون ضمن احدى محميات المحيط الحيوي التي ترعى من قبل المنظمات الدولية كاليونسكو والمرفق العالمي لحماية البيئة، وتتباين بالمحمية ثلاثة نظم بيئية أساسية بيئة الأنهار ذات النباتات المتنوعة والمتعددة وبيئة السافنا والبيئات النهرية ، بجانب نباتاتها واشجارها هي الدوم الذي يمثل أكبر تجمع لشجر الدوم في العالم أيضا أشجار السنط والخشاش والجميز والقمبيل والعرديب وغيرها من النباتات الغابية وأشجار مناخ السافنا ونباتات الأنهار حيث نجد أن نهر الدندر الموسمي يمر عبرها و يحدها من جهة الشرق والضفة الغربية لنهر الرهد ويتخللها العديد من الخيران وبرك المياه والميعات.

التعدد الحيواني
ومحمية الدندر اكبر تجمع للحيوانات البرية شمال خط الاستواء وبها عدد مقدر من الثديات الكبيرة حوالى 27 نوعا مثل الاسد والجاموس وغيرها كذلك بها اكثر من 500 نوع من الطيور المختلفة المهاجرة عبر المواسم وبها كم هائل من الزواحف والاسماك واعداد مقدرة من الحشرات.
حيث تتبع محمية الدندر لوزارة السياحة الاتحادية وتوكل حمايتها لشرطة حماية الحياة البرية التي تقوم بجهد كبير لحماية وتأمين الوجود الحيواني والغابي من كل اشكال التعديات التي تهدد الحياة البرية بكافة انواعها.
وأوضح نائب مدير المحمية العقيد شرطة عادل محمد عبد الله أن إدارة المحمية تخطط لجذب السواح وتمثل ذلك في إعداد وتهيئة النزل السياحية ونوعية الخدمات التي تقدمها الإدارة سعيا لتلبية طموحات السائح. جاء ذلك لدى المؤتمر الصحفي الذي عقده بمباني معسكر قلقو على شرف زيارة جمعية الإعلاميين الشباب «جاش» ، بجانب أن حظيرة الدندر من أكبر محميات الحياة البرية في العالم ومضى بقوله ان مساحة المحمية وتنوع الحياة البرية والنباتية إضافة إلى تنوع الوجود المناخي والأنهار حيث إن كل هذا يميز الحظيرة ويجعل منها موردا سياحيا جاذبا.
توافد سياحي
وكشف العقيد عادل عن توافد غير مسبوق للسواح خلال هذا العام مبينا أن عدد السياح في الأعوام الماضية لا يتجاوز الـ 35 سائحا على امتداد الموسم أما هذا العام وبفضل الجهود المبذولة من إدارة المحمية وتوظيف الإمكانات الموجودة ارتفعت أعداد السياح بصورة عالية حيث بلغ عدد الفوج الواحد أكثر من 80 سائحا، واوضح أن هناك اتجاهات من رجال أعمال سودانيين ومستثمرين عرب عقدوا اجتماعات مع ادارة المحمية في بداية العام لتسخير امكاناتهم في شكل استثمارات سياحية بمحمية الدندر ما ينعكس إيجابا على الزيادة في أعداد السيّاح الأجانب واعتبره أمرا ينعكس مردوده على زيادة حجم الدخل القومي للبلاد بدخول عنصر إنتاجي جديد في منظومة الاقتصاد الوطني.
مواسم الزيارة
وافصح نائب مدير المحمية العقيد شرطة عادل أن السياحة بمحمية الدندر البرية سياحة موسمية املتها الظروف الطبيعية المتمثلة في هطول الأمطار الموسمية في فصل الخريف ، مبينا أن بداية الموسم السياحي مرتبطة بكمية الأمطار فكلما كانت المطار بكميات أكبر كلما تأخرت بداية موسم السياحة والعكس حيث تتميز المحمية بالأمطار الغزيرة التي تصل إلى أكثر من 600 مليمتر.
يذكر أنه يعبر محمية الدندر البرية نهر الدندر الموسمي كما يمر بها أيضا نهر الرهد من الجانب الشرقي لحدود الحظيرة وتغذى هذه الأنهار كثيرا من الخيران والبرك والتي تشكل موردا مائيا للوجود الحيواني بالمحمية .
ويقول العقيد عادل إضافة إلى تلك الأنهار هناك برك تسمي بـ «ميعات» لشرب الحيوانات والطيور بعضها اوجدته الطبيعة والبعض الآخر تم بتدخل من إدارة المحمية، تحوطا لاستدامة مياه شرب الحيوانات في حال جفاف الأنهار الموسمية سعيا لخلق بيئة آمنة ومستمرة لحياة الحيوانات والطيور.
ترويج أعلامي
كشف العقيد عادل عن شراكات بين المحمية الاتحادية وحكومة ولاية سنار وبعض الجهات المختصة بغرض السعي الى الترويج اعلاميا لمواسم السياحة بالحظيرة، واضاف انها خطوات ايجابية مقرا بتأخرها بعض الشيء لكن على حد قوله « ان تأتي متأخرا خير من الا تأتي « .
وفي السياق نفسه أوضح معتمد محلية الدندر حبيب الله يعقوب الشيخ أن هناك تكاملا وتنسيقا إداريا بين اللجنة الأمنية للمحمية و مع ما يقابلها من الحكومة الاثيوبية، و يأتي ذلك في إطار تنمية وتطوير الحياة البرية، مبينا أن هناك جمعيات مدنية واتفاقيات شراكة مع المجتمعات المحلية لتوفير مناخ مهيأ لعيش الحيوانات البرية والمحافظة عليها كمورد اقتصادي معتبرا أن له مستقبلا زاهرا.
وقال حبيب الله إن حظيرة الدندر البرية تشكل عنصرا سياحيا بمقومات طبيعية ، وأردف أنهم في سبيل الحفاظ علي موجودات ومكونات الحياة البرية بالمحمية عقدوا اتفاقيات مع الجارة إثيوبيا في المؤتمر الثامن عشر لتنمية وتطوير الحدود لضمان سلامة الهجرة الموسمية للحيوانات البرية بين محميتي العطيش الاثيوبية ومحمية الدندر .
دور وطني
أكد الامين العام لجمعية الاعلاميين الشباب ناجي الكرشابي أن «جاش» نشأت من اجل سد الفراغ العريض في الساحة خاصة في مجال التدريب الذي صار في ذيل قائمة الاولويات لدى كثير من المؤسسات الاعلامية. وأضاف: جاش سعت الى نقل العمل الإعلامي الى آفاق ارحب وكسر الصورة النمطية للبلاد التي قُدمت في وسائل الإعلام الخارجية بصور الحروب والدماء والمجاعة، وهذه محاولة من شباب جاش لتقديم خدمة اعلامية متميزة ومتكاملة تعمل على محو الصورة الخربة التي رسمت عن السودان من بعض وسائل الاعلام العالمية.
وأضاف كرشابي أن جاش شبَّت عن الطوق من اول يوم تغريدا خارج سرب « المحاكاة « والتشاكس لاجل لعب دور وطني محوري في كافة القضايا الوطنية التي هي بحاجة الي اعلام هادف خاصة تفعيل الجهد الشعبي «المجتمع المدني»، وهذه المرة نأمل المساهمة في تطوير محمية الدندر الطبيعية من خلال اقامة رحلة ذات ابعاد استراتيجية عميقة في الاستثمار والسياحة.
إجواء شبابية
كانت بداية الرحلة الحقيقية من البص حيث بدأ الشباب بالتعارف رغم ان بعضهم كان على علاقة وثيقة تربطهم وبعدها شاب ذو خلق كان يحمل جيتارا في مؤخرة البص عزف على اوتار الجيتار و تغنى ليطرب الآخرين باجمل الاغاني ما اجبر مخرج تلفزيون السودان يوسف كبوش الى اعطاء اشارة التوثيق للطريق الى الدندر في وسط اجواء شبابية لاعلاميين وضع على عاتقهم الكثير للعمل على جذب السياح للبلاد من خلال تسليط الضوء على السياحة.
في ولاية الجزيرة وحاضرتها مدينة ود مدني كانت هي ساحرة لبعضهم حيث التعليق على جمالها بعد تعالي الاصوات بالعبور من داخل المدينة ، وتعالت الاصوات والحكايات بوضع قصص اقرب بالخيال عن المحمية وعن حيوانات في حياة برية لم يكن احد يتخيل وجودها ولكن يبقى الانتظار والتشوق هو العنوان الغائب.
تصوير فيلم سينمائي
ومع شروق شمس يوم جميل وفي صباح الاحد بدأ عدد مقدر من شباب صناعة السينما السودانية تصوير فيلم عن السياحة في المحمية واستغلوا في ذلك وجود الطائرة المتحطمة من العام 1970 كما ذكر لنا.
في الجانب الآخر وفي طريق العودة كان لزاما علينا تلبية دعوة أحد مشائخ الطرق الصوفية وأعيان المنطقة الذي أتحفنا بالكرم الفياض وهو الشيخ الشريف الشيخ بلة ابوقراقيب حيث كان استقبالنا على انغام النوبة والطار وألحان الصوفية العذبة ، وعند المدخل وقبل اصطفاف الاهالي لفتت انتباهنا حلقات تلاوة القرآن الكريم من اطفال لم تتعد أعمارهم العاشرة تسمع لهم دويا كالنحل في معزوفة قرآنية تطلق فيك النشاط والحيوية وتذهب بعناء التعب وطول الطريق الذي تجاوز الثلاث ساعات.
كان الشريف في استقبالنا بضحكة وابتسامة علت وجوه الرجال والنساء شيبا وشبابا، كان الوعد مع وجبة الغداء المكونة من الارز ولحم الابل والصيد، وكان كرم الرجل وسط اندهاش الجميع وعندما أديرت محركات السيارات كانت القهوة في الطريق الينا بصوت ذلك العم الشجي وهو يردد «القهوة بتعدل الخطوة» ارتشفها الجميع لجبر خاطره قبل التلويح بالوداع.
موقف وطني
أثناء انشغال افراد البعثة بتناول وجبة الافطار تناسى الجميع ان القرود يمكنها أن تحمل ما هو خارج الرقابة حيث اختطفت اشرطة تلفزيون السودان التي انقذها مذيع قناة الشروق الشاب سالم الهاشمي وعلق قائلا «بعيدا عن التنافس هذا توثيق لثروة وطنية يتوجب علينا حمايتها وسط تصفيق واشادة من الجميع».
في الوداع تذرف دموع الرجال
كل الشكر الى المساعد شرطة الذي أجهش بالبكاء عند وداع البعثة وسط صمت وقلوب حزينة من ذلك الوداع عائدة الى الخرطوم لتعود الفرحة من جديد بدعوة الزميل الاعلامي تاج الدين هجو وأسرته بالعمارة هجو وتقديم أروع صور الكرم بتقديم دعوة الفطور ليفترق الكل ببسمة في الوجوه عند ملتقى الستين .