السودان ـ ماضي وحاضر ومستقبل التسوية السياسية في دولة جنوب السودان «3»

شمس الهدى إبراهيم إدريس

سعى أبناء دولة جنوب السودان نحو الانفصال عن الدولة السودانية، اعتقاداً منهم أن الدولة المستقلة هي الآلية الأنسب للتحرر بكل أبعاده، دون أن تأخذ في الحسبان المخاطر والتحديات التي يمكن أن تقود إلى ماهي عليه اليوم. فترتب على عملية الانفصال ارتفاع معدل الانشقاقات بين التيارات السياسية داخل دولة الجنوب، علاوة على الاقتتال بين الجماعات الإثنية، إضافة لضعف المؤهلات الاقتصادية التي تقود إلى أن تكون دولة جنوب السودان دولة مستقرة.
تطرقنا في الحلقة السابقة الى بعض الإشارات لموقف السودان من التسوية السياسية بدولة جنوب السودان ودعم الاستقرار عبر الاتحاد الأفريقي الذي أدان العنف، ووصف الوضع بالحرب الأهلية التي أدت لتعطيل عجلة الانتاج المحلي الهش، ما عرض شعب الجنوب لمجاعة وأعلنت حكومة دولة جنوب السودان عن عجزها على مواجهة المجاعة. هبت الخرطوم بعد أن أعلنت جوبا حالة المجاعة واعلان نداء إلى المنظمات العالمية والإقليمية لإغاثة الجوعى في دولة جنوب السودان. فتكاملت جهود السودان مع منظمات الأمن الإقليمي والتي علق عليها الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة في تحقيق الأمن الجماعي والانساني, و بذلت حكومة السودان جهوداً واسعة في تحقيق ذلك على المناطق الحدودية وداخل دولة جنوب السودان. كان من ضمن المبادرات برنامج الغذاء العالمي لتقديم المساعدات الإنسانية. زادت الخرطوم من تحركاتها في إغاثة جوعى دولة جنوب السودان في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية وظهور المجاعة في معظم مناطق ومدن وقرى دولة جنوب السودان. فنقل السودان ومنظمات المجتمع المدني السودانية الإغاثة براً للولايات المتاخمة لحدود السودان. كان ذلك خياراً وحيداً أمام تقديم الإغاثة باعتبار البعد الجغرافي لتلك المناطق من دول الجوار الافريقي الأخرى. وكانت مبادرة السودان أن رحب بفتح الحدود مع دولة جنوب السودان، حيث تم فتح معبر كوستي جودة الرنك ليكون الممر الآمن لتوصيل المساعدات إلى الولايات الحدودية مع السودان، خاصة وأن النقل النهري كان صمام الأمان لتوصيل كل ما يحتاجه الجنوب قبل الانفصال، الأمر الذي لم تحسبه القيادة السياسية بدولة جنوب السودان بعد الانفصال. حيث افتعلت الأزمات مع السودان وهاجمت واستولت على البضائع والمواد الغذائية والأدوية المتجهة للأسواق بدولة الجنوب. قاد ذلك لايقاف التجارة بين البلدين في وقت كانت جوبا أحوج ما يكون لمثل هذا التبادل التجاري بين البلدين والواردات من السودان.
لم يقف السودان مكتوف الأيدي تجاه ما يحدث في دولة جنوب السودان رغم العدائيات المتكررة من القادة السياسيين هناك ودعم وإيواء الحركات المتمردة على حكومة السودان. وقع السودان اتفاقية إطارية في يوليو 2014 مع حكومة دولة جنوب السودان بإشراك برنامج الغذاء العالمي لاستلام ونقل المساعدات الإنسانية إلى دولة جنوب السودان. كما كان تجاوب السودان عالياً ومسئولاً مع دعوة الاتحاد الاوروبي للمنظمات الإنسانية في السودان لتقديم المساعدات للأعداد المتزايدة من اللاجئين الفارين من دولة جنوب السودان وفتح الممرات لتوصيل المساعدات الإنسانية والإغاثة للمتأثرين بالمجاعة منهم. فكانت استجابة الخرطوم سريعة في هذا الاتجاه ما دعا سفراء دول الاتحاد الأوروبي المقيمين في السودان للترحيب بموقف السودان وإعلان الخرطوم بفتح مزيداً من الممرات الآمنة لتوصيل الإغاثة، وفي الوقت ذاته طالب السفراء بضرورة الحفاظ على هذه الممرات والنظر في توسيع الوصول إلى المتأثرين بالمجاعة في دولة جنوب السودان خاصة في موسم الأمطار. كونت الحكومة السودانية لجانا عليا من القيادات السياسية والوطنية والشعبية والتنفيذية لمتابعة إيصال الإعانات والمساعدات للمتضررين من أبناء دولة جنوب السودان، وقامت تلك اللجان بكافة العمليات التي من شأنها تدعم الاسراع في العمليات العاجلة لتوصيل الإغاثة في أسرع وقت ممكن.
شهد الربع الأول من العام 2017 نشاطاً إغاثياً مكثفا من قبل السودان لتوصيل المساعدات لمواطن الجنوب، حيث تبرع رئيس الجمهورية بعدد عشرين ألف جوال ذرة وتم توصيلها في الوقت المناسب للمتضررين من المجاعة ، علاوة على توصيل أربعة وأربعين ألف طن متري من المواد الغذائية عبر معبر كوستي جودة ، وتم تخصيص خمسين ألف طن متري أخرى رحلت عبر معبر الأبيض هجليج بانتيو إلى المتأثرين بالمجاعة في ولايات الوحدة وشمال بحر الغزال. كما أوت حكومة السودان عدداً من اللاجئين من دولة جنوب السودان عبر ولايات السودان الحدودية. وأقرت مفوضية شئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن عدد اللاجئين من جنوب السودان للولايات السودانية الحدودية ارتفع من «60» ألف لاجئ إلى «85» ألف لاجئ ، وكشفت المفوضية أن ولاية شرق دارفور الحدودية مع دولة جنوب السودان سجلت أعلى نسبة لاستقبال اللاجئين، وأن عدد اللاجئين من جنوب السودان وصل الى «380» ألف شخص.
إذا بذل السودان جهداً عظيماً ومستمرا في مساعدة ودعم الاستقرار السياسي و الأمني في دولة جنوب السودان انطلاقاً من دوره التاريخي والإنساني والأخلاقي تجاه شعب الجنوب، وتمشياً مع النداءات الأممية والإقليمية رغم العراقيل التي تعوق توصل المساعدات وأهمها: النظرة غير العادلة لما يقوم به السودان من قبل القيادة السياسية بدولة جنوب السودان ودعمهم المتواصل للعمل العدائي تجاه السودان، علاوة على السطو والاستيلاء على ما هو مخصص لإغاثة المواطنين الذين يعانون الجوع ونقص الأدوية المنقذة للحياة، بالإضافة لاستخدامات الإغاثة في البرامج غير المخصصة لها، نتيجة العمليات العسكرية في الولايات الحدودية مع السودان التي تمثل المعابر الأساسية لتوصيل المساعدات الإنسانية للمحتاجين.