دواعي ومقتضيات الشراكة الاستراتيجية بين السودان ودول الخليج «1»

بهاءالدين-مكاوينقلت وسائل الاعلام هذا الاسبوع خبراً مهماً مفاده انه قد تم التوصل الى اتفاق شراكة استراتيجية بين السودان ودول الخليج، بحيث يكون وضع السودان من خلال هذه الاستراتيجية أشبه بحالة الأردن والمغرب في علاقتهما بمجلس التعاون الخليجي. وكشف البروفسير ابراهيم غندور وزير الخارجية السوداني أنه سيتم التوقيع على تلك الشراكة مع الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي في حضور وزراء خارجية دول الخليج، خلال أول اجتماع وزاري قادم.
ويجمع المراقبون على ان علاقات السودان بدول الخليج قد شهدات تطورات كبيرة بعد قرار السودان باغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في العام 2014م ، وما اعقبه من مشاركة السودان في التحالف العربي ضد الحوثيين باليمن بقيادة المملكة العربية السعودية .
لكن «الشراكة الاستراتيجية» التي تم الاعلان عنها تشير الى درجة عالية من التفاهم السياسي والتوافق العام بين السودان ودول الخليج تجاه القضايا الدولية والإقليمية، هذا التفاهم الذي قام على اساس التحديات التي تواجه المنطقة ، وعلى اساس الفرص الواسعة التي يمكن ان تتيحها مثل هذه الشراكة.
وكما هو معلوم فان الشراكة الإستراتيجية هي نوع من التعاون الجديد في مجال العلاقات الدولية يمكن الدول الاطراف من التعاون بصورة تكاملية ، ويمكن للدول أن تعقد اتفاقيات فيما بينها في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والامنية الثقافية وغيرها بما يفيد الاطراف المختلفة، وهي بهذا المفهوم نوع من التحالف الإستراتيجي المهم .
واذا ما توقفنا عند الجانب الاقتصادي لما يمكن ان تكون عليه هذه الشراكة ، نلحظ ان السودان لديه ميزات كبيرة تجعله قبلة للمستثمرين العرب و الأجانب، والتي تتمثل في موقعه الاستراتيجي المهم، وموارده الطبيعية الهائلة والمتمثلة في الأراضي الخصبة الشاسعة والمياه الوفيرة والثروة الحيوانية الكبيرة، فضلا عن المعادن والمتمثلة في الذهب، والكروم، والمنغنيز، واليورانيوم، والفضة، والنحاس، والكبريت، والزنك، والرصاص، وغيرها من المعادن، بالإضافة الى تنوع مناخاته وتوفر العمالة القادرة على الإنتاج.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، وقبل أن تتضح معالم الفجوة الغذائية العالمية كما اليوم، تنبأت منظمة الاغذية والزراعة العالمية أن دولاً ثلاث ستكون هي المصدر الرئيس للغذاء لبقية دول العالم، هذه الدول الثلاث كانت بالترتيب: السودان، وكندا، واستراليا.
وخلال فترة الصراع العربي ـ الاسرائيلي ، وعندما عزم العرب على استخدام سلاح النفط في المعركة ، هددت الدول الغربية بقطع الغذاء عن العالم العربي ، وأقبل المستثمرون العرب على السودان للاستثمار في قطاع الزراعة ، وقد كانت تجربة ناجحة بكل المقاييس .الا ان هذه الجهود قد تعرضت للانتكاس لأسباب عديدة . ونعتقد ان العالم العربي بحاجة الان الى بعث هذا الشعار من جديد بسبب النقص الحاد في انتاج الحبوب الغذائية على المستوى العالمي ، ولا شك ان السودان الان مؤهل اكثر من اي وقت مضى لان يلعب هذا الدور المهم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن العربي . ويستطيع السودان بموارده الهائلة وإمكانياته الزراعية والحيوانية العظيمة سد احتياجات المنطقة من الغذاء واللحوم والأخشاب وغيرها . ان امكانيات السودان وموارده هي الأكبر في المنطقة ،فلديه اكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، وتشير الاحصاءات الى ان المساحة المستغلة منها لا تتعدى ثلاثين مليونا، وتقف السعودية في مقدمة الدول العربية المستثمرة في القطاع الزراعي بمبلغ 11 مليار دولار في 95 مشروعاً، تليها الكويت باستثمارات بتسعة مليارات دولار، فالإمارات بستة مليارات، وقطر بمبلغ 1.77 مليار دولار . كما يمتلك السودان اكثر من 50 مليون فدان من الغابات، واكثر من مائة مليون رأس من الماشية، فضلا عن الايدي العاملة والخبرة المتميزة في مجال الزراعة. لكن السودان يحتاج للاموال التي تمكنه من الاستفادة من هذه الامكانيات، وهي متوفرة بكثرة في الخليج العربي الذي يمتلك من الاموال ما يزيد على 2 ترليون دولار تبحث عن الفرص الاستثمارية المناسبة ،وهو ما يجعل الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين ضرورة ملحة وذات قيمة عالية ومردود عظيم .
وبالطبع فان دول الخليج، رغم امكانياتها المالية الكبيرة ، الا انها بحاجة إلى التقليل من وارداتها الخارجية ،خاصة الغذائية ،للحفاظ على احتياطياتها من النقد الأجنبي التي تتراجع يوما بعد يوم بسبب استمرار الانخفاض في أسعارالنفط، ومن الممكن أن يكون السودان بديلاً لهذه المنتجات المستوردة. وبالتالي فان الشراكة الاستراتيجية تتيح فرصاً واسعة للدول الخليجية كي تستثمر في السودان ، ولادراك السودان لاهمية الاستثمار ، وفي اطار سعيه لتذليل كل العقبات التي يمكن ان تعوق الاستثمار فيه، فقد بادر الى عقد « ملتقى في الخرطوم» في فبراير 1916 م، وبرعاية وحضور السيد رئيس الجمهورية المشير عمر حسن احمد البشير ، «ملتقى السودان للاستثمار» الأول والذي حمل شعار «فجر اقتصادي جديد». نظمت المؤتمر وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي ووزارة الاستثمار والصندوق السعودي للتنمية والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات ومجموعة « الاقتصاد والأعمال»، وقد حضر المؤتمر أكثر من ألف مشارك ، وقد حظي المؤتمر بتغطية إعلامية واسعة في حينه. وقد تناول برنامج الملتقى المحاور التالية:
1- اتجاهات وتطورات الاقتصاد السوداني
2- بيئة ومناخ الاستثمار
3- التطورات المالية والمصرفية
4- خطط تطوير البنى التحتية وفرص الاستثمار المتاحة للقطاع الخاص
5- فرص الاستثمار في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية.
6- آفاق الصناعات الزراعية والغذائية وفرص الاستثمار المرتبطة بها
7- فرص الاستثمار في قطاعات النفط والغاز والتعدين
8- دور الصناديق ومؤسسات التمويل العربية والدولية في دعم التنمية الاقتصادية في السودان
ومن باب التذكير فقط فان هذا الملتقى المهم قد خرج بتوصيات في غاية الدقة والوضوح تمثلت في الاتي:
1- التأكيد على أهمية الإفادة من الموارد والامكانيات الهائلة التي يختزنها السودان، والموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به، لاستقطاب الاستثمارات المحلية والعربية والدولية، ولا سيما تلك الموجهة لإقامة صناعات قابلة للتصدير الى الأسواق العربية والافريقية المجاورة.
2- التركيز على أهمية تعزيز العلاقات الخارجية، والانضمام الى اتفاقيات اقتصادية وتجارية واستثمارية جديدة مع الجوار العربي والافريقي.
3- أهمية الإفادة القصوى من مبادرة السودان للأمن الغذائي العربي، والمشروعات الناتجة عنها.
4- تثمين العلاقات التاريخية التي تربط جمهورية السودان بالمملكة العربية الشقيقة، والتنويه بالتطور النوعي الكبير الذي تشهده، وضرورة العمل على تعزيزها، بما في ذلك تخصيص جهة محددة لمتابعة الاستثمارات السعودية في السودان.
5- ضرورة تكاتف كافة الجهود لتحقيق البرنامج الخماسي للإصلاح الاقتصادي «2015 ـ 2019م»، والدور المحوري للقطاع الخاص لتحقيق هذا البرنامج.
6- تقدير جهود الحكومة في مجال تحسين بيئة الاستثمار، والتشديد على أن عملية الإصلاح الاقتصادي، ومعالجة التحديات، وتوفير الحوافز وتبسيط الإجراءات، عملية مستمرة، وتتطلب المزيد من الخطوات، يأتي في مقدمتها مراجعة القوانين المنظمة للاستثمار بما فيها قانون العمل السوداني.
7- التنويه بالضمانات التي تقدمها الحكومة السودانية والمؤسسات المعنية بضمان الاستثمار للمستثمرين المحليين، وضرورة العمل على تحسينها وابرازها.
8- إيلاء المزيد من التركيز على تطوير السياسة النقدية والمصرفية.
9- أهمية استنباط وسائل جديدة وآليات مستحدثة لتمويل المشروعات.
10- أهمية التركيز على التنويع الاقتصادي وتسريع عجلة الصناعة واستخدام التقنيات الحديثة.
11- التركيز على تطوير وجذب الاستثمار الى قطاعات: الزراعة والثروة الحيوانية والتصنيع الغذائي والمعادن والنفط والغاز.
12- التأكيد على أهمية المناطق الحرة، ودورها على صعيد التكامل الاقتصادي الإقليمي وضرورة الإسراع في تشييدها وجذب الاستثمارات اليها.
13- التأكيد على أهمية تطوير البنية التحتية لجذب الاستثمارات، والتأكيد على دور القطاع الخاص في تطويرها بالشراكة مع القطاع العام.
14- أهمية تطوير الموانئ ومشروعات الطاقة والتركيز على استخدام الطاقة المتجددة «الطاقة الشمسية».
15- ضرورة تطوير أنظمة الري بما يكفل الاستخدام الأمثل للمياه والاهتمام بالطرق الزراعية والطرق الفرعية.
16- التشديد على أهمية دور مؤسسات التمويل التنموي الإسلامية والعربية، ولا سيما لناحية تمويل مشروعات القطاع الخاص.
17- أهمية القيام بالمزيد من الجهود والمبادرات للترويج للتطورات الاقتصادية والاستثمارية في السودان .
18- التأكيد على أهمية عقد « ملتقى السودان للاستثمار « بشكل سنوي، وصولاً لأن يصبح الملتقى مؤشراً سنوياً للتطورات الاقتصادية والاستثمارية في السودان.
لقد اعقبت هذا المؤتمر حركة دؤوبة من اجل تطوير قوانين الاستثمار، ومعالجة كل اوجه القصور في الاجراءات المتعلقة بالاستثمار، والارتقاء بالبنية التحتية ، وتوفير المعلومات التي يحتاج لها المستثمر على المواقع الالكترونية للوزارات السودانية ذات الصلة ، ولا تزال الجهود مستمرة في هذا الصدد من أجل تطوير القوانين وتحسين البيئة والارتقاء بالبنية التحتية بما يمكن من الاستفادة المثلى من هذه الشراكة الاستراتيجية المزمعة.