هل يحكم شعب بقوة السلاح؟ 

422   * لا أتصور بأن يأتي لعالمنا فرعون جديد ، ليفرض نفسه على شعب بقوة مادية ، قائلاً لا أريكم إلا ما أرى و لا أهديكم إلا سبيل الرشاد ، و المستغرب بأن العالم أجمع قد فارق منذ زمن ليس يسيراً إغتصاب السلطة عن طريق الإنقلابات العسكرية، بل حتى تلك السلطات التي أتت على ظهر الدبابات لم تكن موجهة فوهات مدافعها تجاه الشعوب بقدر ما كانت تلك المجموعات تواجه بعضها بعضاً لإحتلال المقار العسكرية ، ثم تطلب من الشعب التأييد ، و لا تتوجه ضده بالقتل و السحل ، و لكن ترجو منه الدعم و المساندة ، فإن لم تجد ظلت في ثكناتها ، و حافظت على ماء وجهها.
والذي يحدث بمصر، يعتبر سابقة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، بأن يُقتل الشعب على رؤوس الأشهاد ، و لا يتورع القتلة من سفك الدماء في مشهد لا يمكن قبوله ، خاصةً عندما تتحول الساحات إلى حمامات للدم المسفوك و الذبح و سيول الدماء، مما لا يشرف الإنسانية التي ترى على شاشات الفضائيات ما يحدث من جرم فظيع ، و بشاعات لا تحتمل العين رؤيتها مما يصيب المشاهد بالغيثان و الدوار، حزناً و أسفاً على ما جرى ، و هو يتم من قبل قتلة تفوقوا حتى على عصابات الإجرام وشبكاتها، و هم يدَّعون بأنهم أُمناء على حكم شعب، و تطبيق العدالة بينما هم يدوسونه بلا إستحياء تحت الأقدام.
* و حكم الشعب بقوة السلاح ، و تحت وابل الرصاص ، لا يكتب له النجاح ، و إنما يولد على أرض الواقع حقداً و ضغينة، تقود آجلاً أم عاجلاً إلى تصفية الخصومات ، و إنهيار الدولة ، وفت عضد المجتمعات ، ليقابل الأخ أخاه ، و الرجل أباه ، و خير مثال لذلك ما حدث في التاريخ من فتن كقطع الليل المظلم ، ما كنا نريد لها أن تتكرر في القرن الحادي و العشرين الذي أصبح فيه الجرم مكشوفاً ، و الفضيحة لا يمكن إخفاء آثارها ، و الحساب عندئذٍ سوف لن يؤجل لصاحبه ، بل سيكون في الدنيا قبل أن تفيض الروح لبارئها، حسب الذي نعرفه بأن لكل أجل كتاب.
* والقوة التي يستخدمها فرعون العصر، سترتد عليه و سيهزم هو و جنده إستناداً لما قاله الحق تبارك و تعالى، (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)(القصص آية 8).
* ويحدثنا التاريخ عن مصيرٍ أسود لاقاه الفراعنه و الطغاة ، فلم يهنأ لهم بال أو يرقأ لهم جفن ، فذهبوا غير مأسوف عليهم، إما على حين غرة ، أو بإنقلاب من كانوا معهم عليهم في ساعة من ليل أو نهار دون أدنى إنذار لهم بينما كانوا يحلمون بسعادة و هناء لحكمٍ ينعمون فيه براحة البال و حدائق
تجري من تحتها الأنهار.
* والطغاة بمختلف أشكالهم و تطلعاتهم في عهدنا الحاضر، عليهم أن يدركوا بأن الشعوب لا تقهر، و الإرادة لا تسلب، ذلك لأن الإيمان بالمبادئ المستقرة في ضمير المؤمنين هي التي تضع الحق في نصابه ، إذ لا يضيع حق ما دامت دولة الظلم والقهر و إن بدت قائمة لساعة من الزمان ، فإن دولة الحق إلى قيام الساعة إذ لا إهمال لكنه إمهال.
* والبلاد التي يستمتع شعبها بالحرية لم توهب لهم على طبق من ذهب، و لكن هذا الطريق هو الذي كان درساً قاسياً للطغاة في كل فجاج الأرض ، بأن الحرية عنصرٌ تبذل من أجله المهج و الأرواح.
*و مازلت أذكر عبارة لشهيد الإسلام سيد قطب عندما سطر قولاً كنا نحسبه من قبيل إنطباعات مفكر، لكنها الحقيقة الساطعة، بأن طريق الحق ليس مفروشاً بالورود و الزهور، و إنما هو الطريق المحاط بالأقذاء و الأشواك والأشلاء و دماء الشهداء، و ما دام الأمر كذلك فإني أقول (فلا نامت أعين الجبناء).