الصفح وصفاء السريرة

420(1)
الصفح في اللغة ترك الملامة والتثريب، وصفحت عنه: أوليته مني صفحة جميلة معرضاً عن ذنبه، أو ألقيت صفحته متجافياً عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها، والمصافحة، البشر في الوجه حين اللقيا، أو الافضاء بصفحة الكف عند السلام، وهو أكبر من العفو واسمى قيمة واعلى مكانة ، قال تعالى «فأعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين» (المائدة 13). ولأن النفس مفطورة على حب الذات والانتصار، فإن الإسلام يدعونا إلى تطهير الدواخل وتنقيتها بتجاوز تام فهذا الصفح والتجاوز هو دلالة على الرجاء فيما عند الله ، يتطلب نقاء القلب وصفاء السريرة ورحابة النفس، قال تعالى «وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وان الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل» (سورة الحجر 85).
عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أفضل الفضائل، أن تصل من قطعك، وتعطي من منعك وتصفح عمن شتمك) والنفس حين تعفو انما تزيل ادران الحسد والحقد.».
(2)
يوم فتح مكة، وجيش الإسلام يدخل فاتحاً، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل قريش، ما تظنون إني فاعل بكم؟ قالوا خير، أخ كريم وابن أخ كريم، قال (صلى الله عليه وسلم ): فاذهبوا فأنتم الطلقاء، وقد قالت السيدة عائشة عن خلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزيء بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».
وقال الخليل بن أحمد:
سألزم نفسي الصفح عن كل ذنب
وإن كثرت منه إلي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة
شريف ومشروف ومثل مقاوم
(3)
إن الصفح الجميل أن تعفو عمن ظلمك وتصل رحم من قطعك دون لوم أو عتاب وإنما طمعاً في رحمة الله ورضوانه قال تعالى «فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير» «البقرة 901».
٭ لقد جلس ابن مسعود في السوق يبتاع طعاماً فابتاع، ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلت، فقال: لقد جلست وإنها لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون، اللهم أقطع يد السارق، اللهم أفعل به كذا، فقال: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جرأة الذنب فاجعله آخر ذنوبه».
٭ لقد نصر الله يوسف عليه السلام ورفع ذكره ومقامه وجمع له أهله وحين تحققت له القوة، قال لاخوانه «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» (يوسف 29).
وعن أيوب قال «لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم».
وعن عمر بن عبد العزيز قال «أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق أحد بآخر في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة».
الله طهر قلوبنا من الغل والحسد والبغضاء.