شيخ فى العتمة

14-07-2016-06-9احتجت لغرض فعرجت على دكان بغطاء «مول»، قائم بزاوية منعرج في اركويت، حينما تقابلت والبائع كان يعيد رص مشروبات يدفع بها من داخل محتوي اكياس الى ثلاجة تزينت ببعض بقايا لبن تخثر على مدارج زجاجها واشلاء وجبة اظنها من الافطار! انتبه نحوي بارهاق ظاهر تعثرت معه قدرته على رد السلام الذي اضيف اليه تحية رجل عجوز فإن خرج من ناحية الباب خلفي، كان انساناً ربما يحوز سني عمر تحادد «90» عاماً كاملة، دخل جسد قسراً في جلباب حولته عراكات الاتربة الى لون نحاسي، كان يرتجف وهو يخرج عملات معدنية بسطها على راحة كفه، ناصعة البياض تلمع، قال لي بحزم خفوت: عدها، كانت سبعة ثم ثلاثة قلت هي عشرة كاملة، قلت له والبائع يشتد انتباهه بدفق فحص من ملامح وجهه لحوارنا، استقرت اذناه علي مضيق عيناه، سعل العجوز حتى انه تمسك بطرف كتفي فارحت جسده على صندوق بيبسي اقمته تحته كمقعد، جلس يرنو للارض يلم شعث انفاسه، يعلو جانب منه وينخفض آخر، رفع عيناً فاترة البريق قال انه جوعان ويطلب رغيفة و«شقفة» طحنية وبيبسي و «موية»! قال باسطاً يده المسودة بالتعب والعلة: هذا كل ما املك، كان عزمي قد قر على كفالة وجبته اليسيرة، رفعت رأسي اطلب البائع الذي تلاشى في شق داخل دكانه، عاد يحمل مائدة مصغرة، اقام لها مجلساً في زاوية امام دكانه، دعمها باشكال من العصائر، عبرني كأنه لا يراني، امسك بيد العجوز في حنو، انحنى عليه يغطيه بعبارة: تعال ابوي، امسك به كأنه يدير حرزا على روح نفسه يميط اذى العثرات من امامه وانا خلفهما اطلب حيزا في العون ولا اجده، اجلسه والشيخ ينظر للمأدبة ويفرد يده ليرى الصبي منقود عملته والصبي يزجره ان ردها الى جيبك ! الشيخ يتمنع، اتدخل فيستطيل قيام رفضه، وبعد رجاءات اجلسناه، التقط لقمة، والتقطنا من عينيه رجاء بالمشاركة ففعلنا، لم يكثر من الأكل، حاز لقيمات يقمن صلبه، رفض اجابة اصرارنا على الاستزادة، تلفت يطلب الماء لغسل يديه فحضر الصبي يصب الماء والعجوز يجلو الزيت وعوالق اللحم والارز، يفتح كفه ويدير مضمضة داخل شدقيه، يفرد يده يبللهما بالماء ثم يمسح رأسه ومؤخرة رقبته، يمد دعاء ساخنا بلوازم الحمد، ينهض مثل طائر يتأهب للعبور نحو السماء، اصبعه يلامس المعدنيات، يضحك الصبي الذي كشف الضوء ملمح لشاب جميل الطلة، يقول بلكنة سودانية راسخة حرم يا حاج مدفوع، ويدخل الى داخل دكانه، يعبث في درج، تلتقط يده حزمة نقد، يقبل علي الشيخ الحائر في ما يقول، يدس الحزمة في احد جوانب الجلباب وهو يصب زبر حديد انهاء الحديث، يطرق العجوز، يخرق الارض بنظرة مثل مسقط نيزك، يجمع بقية قدرته بالكاد يمشي، يذوب في ظلمة المنعرج، يتمطى الصبي كأن نسمة باردة غشيته، يقف عند مدخل متجره يده اليمنى تقوم على اول الزاوية. عيناه تتبع خطى العجوز، نظرة هي هجين من الود والمحنة، يلتفت نحوي معتذراً قلت: عاوز شنو، اقول وقد نسيت غرضي لقد حزت ما اريد، ومضيت وانا اكثر حرصاً على تتبع تفاصيل هذا البلد الجميل.

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

7 + twenty =