هل نحن في حاجة إلى مبادرات؟«2-2»

تدوين: نبأ محي الدين

* إن العراقيل التي يمكن أن تواجه المبادرات الجماهيرية، لا تخرج عن سيزيفية الصراع الأبدي بين المثقف والسلطة، الذي يبدو جلياً في هيمنة الدول على جميع المجالات، وتقييدها للأنشطة السياسة منها، والاقتصادية، والثقافية على حد سواء. ولكن ماذا فعلت أصيلة كي تنمو بمشروعها الريادي لربع قرن؟ يقول السيد يس:
«حين حكى بن عيسى تجربته مع أصيلة، وركز على ملاحقة أجهزة الدولة له، كان يشير في الواقع إلى السدود التي وضعت أمام أصيلة حتى لا تنمو، وحتى لا تصبح نموذجاً يحتذى من بعد، في أقاليم أخرى. ومن هنا كانت اللحظة التاريخية الحاسمة في عمر تجربة أصيلة، وهي حين استدعاه الملك الحسن الثاني لمقابلته وسؤاله سؤالاً مباشراً: ماذا تريد أن تفعل في أصيلة؟ وأجاب بن عيسى: أردت فقط أن أؤكد أن المبادرات الثقافية ليست وقفاً فقط، على قوى اليسار في البلاد، وأن اتجاهات سياسية أخرى، أيا كان تعريفها، يمكن أن تبادر أيضاً، وتصوغ مشروعات ثقافية للرقي بالمجتمعات المحلية، بعيداً عن برامج الدولة، وليس بالضرورة في تضاد معها.
بارك الملك المشروع، وبذلك أعطيت أصيلة نفساً جديداً للحياة، بعدما كادت أن تتوقف التجربة».
– شخصياً أؤمن بجدوى وفاعلية الكتابة كفعل له القدرة على إتاحة المعرفة، خاصة في هذا العصر، من جانب، كما له المقدرة على خلق نوع من التعايش مع الواقع وتطويعه من جانب آخر يخص الكتابة الإبداعية، فقمت بتأسيس مبادرة للكتابة بشقيها الإبداعي والتنويري، إن صح التعبير، كون أن لكل شق متطلباته من تدريب، وأدوات، وخطاب، وانفتاح على الآخر، وممارسة، ولزمني وما زال يلزمني، الكثير من موازنة الأمور بين ما تقتضيه الشروط المفروضة، والرؤية التي أصبو لتحقيقها والحديث يطول، لكن الشاهد في الأمر هنا، أن الإيمان بجدوى الشئ هو أول وأقوى لبنات المبادرة، ووحده ما يعطي الدافعية، والإصرار على التقدم، وروح التحدي.
لتُبنى المبادرات من منطلق الإيمان بالفكرة أولاً، والتي تضمن استدامة العمل على المدى البعيد، وإن انقطع من فترة لأخرى نتيجة للشروط، ومن ثم تأتي المرحلة التالية التي تنشد إدارة التنوع بكافة أنواعه في العمل المجتمعي، لتتكون انطلاقاً مما نؤمن به، وما ينقصنا، وما يمكن أن نحتاجه، إبتداءً من العمل الثقافي لتأثيره الأعمق، مروراً بالعمل المجتمعي ككل، وإنتهاءً بالعمل الخدمي لو تطلب الأمر.
– الإجابة تبدو واضحة للعيان الآن، وهي أننا في أمس الحاجة إلى المبادرات الجماهيرية، القاعدية منها والمحدودة، وفي حاجة أمس، إلى نشر ثقافة المبادرة في حد ذاتها، على جميع المستويات، ومن ثم الإصلاح الداخلي في منظومة القيم، وصياغة شاملة للبناء الإجتماعي، الأمر الذي يتطلبه أي تغيير ينشد الاستدامة، رهاننا في النجاح يرتبط بأمور كثيرة مُدللة عليه، أولها أننا في عصر مجتمع المعلومات العالمي، الذي أتاح مصادر المعرفة، وملك المعلومة من بشكل أو بآخر، وقرب المسافات، وبسط الوسائل من ناحية إيجابية، ومن ناحية أخرى، أن الدول بشكلها الكلاسيكي المعروف، والتي ترفع شعارات، وتتولى نظم ولا تطبقها، وتمارس الرقابة والحصار والاحتكار في جميع مجالات الحياة، وتصنع قرارات ومصائر الجماهير، آفلة، وذاهبة إلى زوال، ولعل التغييرات الهائلة التي يشهدها العصر الحالي، عصر مجتمع المعلومات، خير شاهد وخير دليل.
– دول عربية كثيرة طورت أساليبها، واتسمت بالمرونة في تقبل المبادرات الجماهيرية، لوعيها بأهمية الأبعاد الثقافية في التنمية، ودول أخرى يكوّن فيها الضغط الذي يفرزه مجتمع المعلومات العالمي، بتمليكه الفرد المعلومات والحقائق وسلطة النقد والمشاركة، ورقة رابحة لضمان نجاح المبادرات، والجيد في الأمر أن دولاً أُخّر، باتت تتقبل العمل المجتمعي والمبادرات الجماهيرية، كنوع من تخفيف الضغط الواقع عليها، وفي أحايين أخرى، كنوع من التملص من بعض المسؤوليات.
– الحل يكمن في العمل، في التحرك لإيجاد بدائل أقل تكلفة وشروطا للبرامج المخطط لها، كما يكمن في الضرب على وتر العمق بتحدي الممارسات السائدة، وبناء بنية تحتية تراكمية للعمل المجتمعي، بالنفاذ إلى جميع طبقات المجتمع، وتوثيق النتائج في شكل بحوث ومسوحات، مع التأكيد على أهمية النأي عن أدلجة المبادرات، ثقافية كانت أم مجتمعية أم سياسية، وهو الأمر الذي تتخذه الدول أحياناً كنوع من المقاومة لكل من يختلف مع توجهاتها، وحتى وإن لم يكن بالضرورة معارضاً أو مخرباً بالمفهوم السلطوي للتخريب.
على كل حال، الكرة في ملعب المبادرين، بوصفهم فاعلين جدد في عصر المعلومات. عليهم فقط أن ينأوا من أن يكونوا مدخلاً لشعارات، وأبواقاً لظواهر وأيدلوجيا، تقف ضد التغيير الذي نحارب من أجله.