التوالي ما بين الكاردينال والأرباب والوالي

485لا أظن أن ما يسمى بالحوار الوطني، سيقود الى أي نتيجة إيجابية، تخرج البلاد من النفق المظلم، والنفاق السياسي المؤلم، ليس فقط لأنه تم استبعادي ومعي ملايين المواطنين منه، حتى في إطار ما يسمى بالحوار المجتمعي، ولكن لأن الخلاف بين أكبر مؤسستين جماهيريتين في بلادنا تعرض للتجاهل، ولا ينكر إلا مكابر أن ولاء الملايين لناديي المريخ والهلال، أقوى من ولاء أي كتلة جماهيرية لأي من الأحزاب السودانية منذ السلطنة الزرقاء
ويبدو أن من يفترض أنهم أولياء الأمور عندنا، غير مدركين للمخاطر المحدقة بالوحدة الوطنية، بسبب الخلاف بين صلاح إدريس وأشرف سيد أحمد، حول أيهما أحق برئاسة نادي الهلال، وهما شخصان غير عاديين، فصلاح «أرباب»، وأشرف «كاردينال»، أي أنهما من طبقة النبلاء، رغم أن التلاسن بينهما بعيد عن النبل ، وقد تم استبعاد المشورة الشعبية كحل ناجع للخلافات بينهما، بعد أن اتضح أن الطرفين يعتقدان أن جماهير الهلال، لا شأن لها بأمور وأوضاع النادي العتيد العريق.
وزرت السودان مرتين خلال الأشهر الخمسة الماضية، ولم تخل صحيفة ما من مقال لصلاح إدريس طوال تلك المدة، يلعن فيها خاش الكاردينال، الذي يكتفي بتصريحات من فصيلة البراميل المتفجرة، حتى انقسم النقاد الرياضيون الى فئة أربابية، وأخرى كاردينالية، وثالثة ضد الأرابيب والكرادلة.
ويبدو أن رئاسة الناديين الكبيرين: المريخ والهلال، مفصلة على مقاس ذوي الجيوب المليانة، والألقاب الرنانة، فإذا كان للهلال أرباب وكاردينال فللمريخ «وال» هو جمال الوالي، الذي يعيش في جو مريح نسبيا، ربما لانعدام المنافسة، وربما لأنه غير ميال للردح حتى في وجود منافسة.
ويغير الناس في السودان ولاءاتهم السياسية، بنفس السهولة التي يغيرون بها ملابسهم، ولكن ولاءهم للمريخ أو الهلال لا يتزعزع أو يتضعضع، والأمر الذي لا جدال فيه كما ذكرت أعلاه، هو أن الناديين يتمتعان بسند جماهيري يفوق إجمالي السند الذي تتمتع به الأحزاب الحقيقية والحقيبية «نسبة ل»الحقيبة»، أي أنها ستصبح بعد أيام من ماضي الذكريات، لأن روادها سيختفون بمجرد توزيع الصدقات عليهم في الهيئات التشريعية التشريفاتية، وبعدها سيتغنى من ساندوها: رحت في حالك نسيتني/ واعتبرت الماضي فات/ لما انت خلاص جفيتني وما لقيت غير الفتات».
كتبت وكتب غيري عدة مرات، مطالبين بأن يكون التداول السلمي للسلطة بين تنظيمين كبيرين من حيث السند الجماهيري، وبالمناسبة ماذا سيكون اسم الحكومة الموسعة المرتقبة؟ «إئتلافية؟ ما يصير، فلا يمكن أن يتعايش 118 تنظيما سياسيا وعسكريا في تآلف في حكومة واحدة؟ هل ستسمى حكومة «وفاق»؟ أيضا ما يصير لأن الشقاق هو ميسم الساحة السياسية. فستكون أحزاب تاريخية ذات وزن حقيقي، خارج الشبكة الحكومية، وحتى الاتحادي الديمقراطي «الأصل»، يتبرعم حاليا ليفرز تنظيما جديدا، بعد أن انقلب الأب ـ الرئيس، على ابنه مساعد الرئيس، الذي يطمح فيما يبدو في الرئاسة، ولا يعرف أن مساعد الرئيس لا يصبح رئيسا، تماما كما أن مساعد الياي في السيارة لا يصبح يايا، ومساعد الحكيم لا يصبح حكيما، فهل ينسب الابن أباه للدواعش أيضا، كما فعل مع من خالفوه من قيادات الحزب التاريخية «من مساخر السياسة السودانية أن أعضاء الهيئات التشريعية والتنفيذية في هذا الحزب أعلنوا أنهم قدموا استقالاتهم، ولكن لمن؟ للسيد محمد الحسن الميرغني؟ ولو كانوا جادين في الاستقالة لقدموها لمن منحوهم تلك المناصب، ولهم الحق في قبولها أو رفضها، ولكنه فيلم هندي ذو سيناريو مفضوح: الوالد الراعي الرئيس قدم قائمة أسماء لتلك المناصب في الحكومة المرتقبة، وعَلِم المستقيلون شكليا أن أسماءهم لم ترد في تلك القائمة فقامت قيامتهم، فكانت تلك «الحركة القرعة».
إذا كنا نريد لبلادنا ان تستقر فعلينا أن نوكل أمر تشكيل الحكومة لجماهير الهلال والمريخ، ولكن بعد أن نضمن إطاحتها بالكاردينال والأرباب، فهذه الجماهير صادقة في ولائها، وحتى علاقات المريخاب بالهلالاب تقوم على المناكفة الودية وليس على التخوين والتكفير.