«جبال النوبة» … التعايش السلمي والتسامح الديني  «1»  

جبال النوبة: إبراهيم عربي
ALSAHAFA23-4-2017-7أثبتت «جبال النوبة» إنها حقا «بلد التعايش السلمي والتسامح الديني» ، بلاد تتميز بانسانها المبدع المتفرد وبمجتمعها المتعايش والمتصاهر والمتجانس كما تتباين فيها ادوات ووسائل التدين وتتعدد عندها طرق التعبد والتقرب الي الله بلا غلو وبلا تطرف ،  فالاسرة الواحدة في جبال النوبة تجد فيها «المسلم والمسيحي واللا ديني» و يحبون بعضاً بعضاً بكل إحترام وتأدب وإعتراف بالآخر ولن تجرؤ لان تصف أحدا منهم بإنه «غير مسلم » ، انها حكايات وروايات كشفت عنها احتفال لجمعية سنابل الجبال وخلاوي الفاروق بالخرطوم في مارس الماضي بمناسبة تخريج اول حافظ للقرآن الكريم بالخلوة ضمن «200» طالب دفعت بهم الجمعية من مناطق «هيبان ، ام دورين ، البرام ، دلامي وغيرها» في جنوب كردفان والتي تعرف بأنها مناطق تمدد فيها قوات الحركة الشعبية «قطاع الشمال» كما انها ظلت تعرف تاريخيا بمناطق «التمدد الكنسي» في جبال النوبة، المناسبة كشفت عن معلومات وحقائق وارقام مهمة كما كشفت ايضا القناع عن وجه الغطاء الكنسي في السودان وفي منطقة جبال النوبة خاصة ، هذه المعلومات وغيرها ابكت الكثيرين من اصحاب الحمية والهم الإسلامي .

خلوة الفاروق في منطقة ام جبيرة بالسليت …
تقع «قرية ام جبيرة» ضمن القري الهادئة بشرق النيل شرق منطقة السليت وتعاني ضعفاً في الخدمات وإنعداماً في مشروعات التنمية وهى قرية مترابطة اجتماعياً كالاسرة الواحدة يسود بينهم الاحترام والقبول بالاخر كما إنها قرية محافظة مثل الكثير من القري بالمنطقة ويعتبر الشيخ الفاروق صاحب الخلوة تقبله الله قبولاً حسناً احد المنارات العلمية والدينية بالمنطقة ويطلق عليه اهالي الجبال «كوكو الفاروق» حيث «كوكو» هو الابن الاكبر او «البكر» بجبال النوبة بينما تشرف علي الخلوة مني الفاروق إبنته واخرين من الاسرة ، و لم تكن الخلوة وحدها بل هنالك خلاوي تأوي أعداداً أخر من طلاب جبال النوبة في جبل اولياء ومنها خلاوي الشيخ عبد الرحمن وفي الخرطوم ايضا خرجت جميعها نماذج لحفاظ القرآن الكريم فضلاً عن طلاب في خلاوي بالجزيرة وطلاب في الشيخ ابوعزة ومناطق اخري .
معلومات مضللة إستغلها أعداء الإسلام 
فاحدثت تشويشاً ..
كشف رئيس مجلس أمناء الجمعية علي احمد دقاش ان الطالب المحتفي به ضحية عثمان يعتبر أول طالب للجمعية حفظ القرآن بالخلوة من بين «200» طالب فيما وصل «35» منهم إلي مراحل متقدمة وتوقع دقاش الإحتفال بهم قريباً ، وأكد دقاش أن الجمعية هدفت من تخريج هؤلاء حفظة ودعاة يعملون لتعليم المسلمين أمور دينهم في إطار التعايش السلمي والتسامح الديني المعروف في جنوب كردفان بعيداً عن الغلو والتطرف في وقت نشطت فيه اعمال الكنائس وقال ان إختيار المكان بعيداً جاء لإبعاد الطلاب عن أجواء الحرب والتفرغ لأمر القرآن والدعوة ، واكد المشرفان تنفيذياً على المشروع إنها ليست المرة الأولي فقد بدأ هذا المشروع باكراً في العام 1992 بـ«500» طالب تم توزيعهم مابين «الشيخ أبوعزة ، السيخ تكرور ، خلاوي الشيخ في غرب بارا» إلا أن هنالك تشويشاً إستغله أعداء الإسلام وحرضوا الأهالي وقالوا لهم أن هؤلاء متطرفون ويعملون علي تجنيد أبنائكم فى الدفاع الشعبي فانهار المشروع لتخوف الأهالي علي أبنائهم وقام الآباء بسحب أطفالهم من الخلاوي وكادت أن تحدث كارثة بسببها ، فتم تخريج فقط «20» حافظا ، فقطع اثنان من المشرفين علي امر الخلوي أن عملهما خالص لوجه الله لأجل نشر الدين ونشر الفضيلة بين الناس بالتي هي احسن .
المسلمون لا يمارسون شعائرهم إلا بالجمعة ورمضان ..
المتابع للروايات والحكاوي التي رواها الداعية كودي اسماعيل الذي لا يتقن الا القليل من العربية وبسببها فشل في مواصلة تعليمه في احدي الجامعات قال كودي انه من مواليد منطقة «ايري» في محلية هيبان وتلقي تعليمه هناك بالمنهج الكيني وانه من اسرة مسلمة ولكنه وجد اسرته والاخرين لا يعملون بالاسلام الا من خلال صلاة الجمعة وصوم رمضان حيث يفتقر الجميع لتعليم امور دينهم ، وهى مأساة ابكت كودي قبل ان يواصل حديثه قائلاً «انهم لم يجدوا بالمنطقة اهتماما بالمنهج الاسلامي» فيما نشطت الكنائس وكثفت جهودها من امثال «سمارتن الامريكية ومجلس الكنائس النرويجبة وغيرها» وحتي المدارس مثل مدرسة الشيخ علي عثمان وغيرها قال كودي لم يتسن لها توفير المنهج السوداني للدراسة  ، بينما حال المسلمين هناك يعيشون في ماسي ومعاناة حقيقية في ظل التغلغل والتمدد الكنسي والتنصير في جبال النوبة وليس ذلك جديداً بل عمل منظم ومؤسساً ومدعوماً مادياً ومعنوياً علي كافة الحقب ، وقال كودي ان والده ابتاع «3» من الثيران ليذهب إلي يوغندا لمواصلة تعليمه بعيدا عن اجواء الحرب والتجنيد الإجباري ، الا ان إرادة الله جعلته ليغير وجهته فوجد نفسه مع هذه الكوكبة بالخرطوم وقال كودي انه لجد فخور وسط اسرته التي جمعتهم في رحاب الله وتحفهم نفحات الايمان وتظلهم أيات القرآن .
 ضحية دفع به والديه هرباً من جحيم الحركة والتجنيد الإجباري …
ولكن متي وكيف كانت بداية الفكرة ؟ اذ كشف المشرفون علي الامر انهم ظلوا يراقبون مالات الاوضاع في جبال النوبة عقب توقيع اتفاق السلام في العام 2005 ودخول بعض منظمات التبشير الكنسي للعمل في المنطقة تحت العمل الانساني والتنموي من بينها منظمة سمارتن الامريكية ومجلس الكنائس النرويجي واخريات وقد اسسوا اكثر من «900» كنيسة في الفترة مابين «2005 – 2011» ، هذه المعطيات كما يقول نفر كريم جعلتهم أكثر حيطة وحذراً لما حدث في السابق فجلسوا حال إندلاع الحرب في جنوب كردفان في العام 2011 ونزوح المواطنين إلي كادقلي ومنها الى غيرها من ولايات السودان ، بينما تعتبر قصة الطالب المحتفي به ضحية عثمان ذاتها قصة تحكي عن مأساة حيث دفع به أبواه في العام 2012 للهجرة من جبال النوبة هرباً من بطش الحركة الشعبية وتجنيد الاطفال وتعليم المنهج الكيني وغيرها فلحق الطالب بالمجموعة في آخر لحظتها ولكن المجموعة إضطرت لأن توفد وفدها لتعود لتأخذ رأي أسرته فوافق أبواه وقالوا إنهم دفعوه إلي هذا الطريق .
دخلت للعمل فى السودان في العام 1997 تحت غطاء المعونة الأمريكية …
ولكن دعونا نتساءل من هى «سمارتن بيرس»؟ هى منظمة كنسية أمريكية أسسها ويليام فرانكلين بيلي غراهام جونيور فى السابع من نوفمبر 1918 وهو مبشر مسيحي إنجيلي أميركي وصل إلى مرحلة الشهرة بعد دعم الإعلام الوطني الأمريكي له عام 1949، عمل مستشاراً روحياً لعدد من الرؤساء الأميركيين وكان مقرباً من ريتشارد نيكسون ودوايت أيزنهاور بنى مؤسسته الدعوية «سمارتن بيرس» مما أكسبته نفوذاً في العالم حتى وصل عدد متابعيه إلى «2.2» بليون متابع ، وحاز على جائزة مؤسسة غالوب لـ«أكثر رجل إثارة للاعجاب لخمسة وخمسين مرة» منذ عام 1955 ، إلا أن ذات سمارتن بيرس قد دخلت للعمل فى السودان تحت غطاء المعونة الأمريكية فى العام 1997 للعمل في المجال الإنساني كستار للعمل في مجال التنصير ونشر الدين المسيحي بكثافة فى «جنوب السودان والنيل الازرق وجنوب كردفان وجزء من مناطق اثيوبيا» ، وقد ظلت تقدم دعماً سخياً لكل من جون قرنق فى جنوب السودان ومالك عقار فى النيل الأزرق وعبد العزيز الحلو فى جنوب كردفان والمعارضة في التجمع الديمقراطى وقد حاولت نشر التبشير الكنسي فى مناطق «همشكوريب وطوقان وتميكيت» بشرق السودان ففشلت بسبب تمسك الأهالي بالدين الإسلامي ولكنها نجحت في خلخلة النسيج الإجتماعى فى مناطق شرق السودان وأدخلت الفتنة القبلية والنزعة الجهوية .
فشلت فى مهمتها لتوفير مخزون إستراتيجى لقوات التمرد ..
ولازلنا نتساءل عن كيفية ظهور المنظمة الخطرة التي لازالت تتخذ من كاودا مقراً ودعماً للتمرد ! منظمة سمارتن بيرس كما يؤكد معتمد محلية البرام في جنوب كردفان قبل اندلاع الحرب عبد الباقي قرفة رئيس حزب الحركة الشعبية «اصحاب القضية الحقيقيين» عضو الحوار الوطني ، يقول انها ظهرت بصورة جلية فى جنوب كردفان مع توقيع إتفاقية سويسرا للسلام 2002  م ، وزاد قرفة في حديث سابق لـ«الصحافة» أن ظهور المنظمة المعنية كان تحت غطاء تقديم خدمات زراعية من بذور و«23» جرارا زراعيا كبيرا وفشلت فى مهمتها لتوفير مخزون إستراتيجى لقوات التمرد لأن ذلك لم يكن هدفها أساساً ، ولكنها حالما نشطت فى هدفها في مجال بناء الكنائس بمساعدة مجلس الكنائس النرويجى علاوة على دعم المعونة الأمريكية ومنظمات أخرى ، وكشف قرفة بأن حصيلة الكنائس التى أسستها منظمة سمارتن بيرس أكثر من «900» كنيسة معظمها مشيدة بمواد ثابتة وأثاث فاخر فى الفترة مابين العام «2002 ـ 2011» قبيل إندلاع الحرب التى لازال يدور رحاها «6» سنوات بكل من «جنوب كردفان والنيل الأزرق» ، منها اكثر من «200» كنيسة فى المنطقة الجنوبية ومحلية البرام ، اكثر من «300» فى أم دورين ، واكثر من «150» فى هيبان ، واكثر من «130» فى كاودا وغيرها ، واكثر من «150» فى مناطق دلامى .
يدير عملها بالسودان «كوكو الأمريكى» …
الشاهد كما يؤكد قرفة انه حاول بنفسه عندما كان يعمل معتمدا للبرام لفت نظر المنظمة انها غيرت وجهتها بدلا عن دعم الزراعة والتنمية للعمل في المجال الكنسي ولكنها رفضت واخيراً وجهها لعمل مدارس تعليمية «كمبونى» بحكم سلطته ، إلا أن المنظمة ايضا رفضت وتمادت في خطتها الجديدة ، وقال قرفة للصحافة لم يخالجني الشك انها كانت تجد دعما وحماية من قيادة الحركة الشعبية «قطاع الشمال» وكان يدير عملها بالجبال ولازال ريان بيوتن الملقب بـ«كوكو الأمريكى » ويتخذ من كاودا مقرا له وقد تزوج «الجزيرة» إحدى فتيات النوبة فى محلية هيبان حيث أنجبت له ذرية ،ويتقن كوكو الأمريكى لغات الأطورو والتيرة لقبائل النوبة كما يجيد اللغة العربية وأصبح مواطناً معروفاً وسط الأهالي هناك ، وليس ذلك فحسب فقد عملت منظمة سمارتن علي تسهيل مهمة عضو الكنغرس الأمريكى جورج  كلونى ورفاقه من البرلمانيين وووكالات الإعلام لدخول مناطق التمرد فى جنوب كردفان وتصوير أفلام وفبركتها تحت مزاعم ودعاوي شتي لتظهر وجهاً غير حقيقي لجنوب كردفان وهي بلد التعايش السلمي والتسامح الديني .
عمل سياسي منظم ومخطط له بعدة سواتر ..
بينما تعود قصة التمدد الكنسي لمواقف في حقيقتها معقدة وعميقة الجذور يعود تاريخها للقرن الثامن عشر الميلادي ولم تتوقف فصولها عند السباق القوى بين «المشائخ والقساوسة» بل عمل سياسي منظم ومخطط له بعدة سواتر ظلت ترعاها دول ومؤسسات وهيئات يجدها المتأمل في خارطة جنوب كردفان تطابق تماماً ما يدور في مناطق سيطرة قوات التمرد في كل من «هيبان ـ ام دورين ـ البرام ـ دلامي وغيرعا» .
غردون باشا أمر في العام 1877 بإعادة فتح إرسالية الدلنج ..
المتابع يجد أن الدكتور طارق أحمد عثمان من مركز الدراسات الأفريقية في جامعة أفريقيا العالمية قد أكد في بحث له في نوفمبر 2011 تحت عنوان «المسيحية في منطقة جبال النوبة بالسودان ودور الإرساليات في العمل التبشيري والتعليم» ، أكد الدكتور أن بداية المسيحية في كردفان بدأت في العام 1871 بتأسيس كنيسة ومدرسة بالأبيض بتوجيه ودعم من الأب «كمبوني» ومنها إمتدت بعملها إلي جبال النوبة لتدريب الاهالي علي الإكتفاء الذاتي من الغذاء عبر الزراعة وأصدر حاكم السودان حينها غردون باشا أمراً بإعادة فتح إرسالية الدلنج في العام 1877 ، وقال أن الراهبة «فرتوناتا كواشي» تعتبر أول امرأة سودانية تترهبن أرسلتها الكنيسة لأوربا للتعليم والتدريب في العام 1851 حيث لم يتجاوز عمرها آنذاك «11» عاماً وعملت عقب تخرجها في مصر قبل أن تعود السودان مع حملة التبشير في العام 1873 وتصل الدلنج فنزرت نفسها للرهبنة في العام 1881 واتخذت «بخيتة» اسماً جديداً لها قبل إعتقالها من قبل المهدية في الأبيض في العام 1882 ونقلت الي أم درمان في العام 1885 ولكنها تمكنت من الهرب لمصر حتي توفيت هناك في العام 1899 حيث تأسيس مستشفي بالدلنج يعرف باسمها «مستشفي الأم بخيتة» .
نتابع في الحلقة المقبلة … إن الكنيسة الكاثوليكية إستأنفت نشاطها في جبال النوبة في العام « 1906 ـ 1916» في وقت تزامن معها ثورات أبناء الجبال ضد المستعمر حيث إندلعت ثورة السلطان عجبنا في الدلنج وثورة تلودي ، فيما صدر في العام 1919 أمر رسمي بدعم العمل التبشيري في جبال النوبة من قبل الحكومة وتم إفتتاح مركز «هيبان» في العام 1920 وتوالت من بعده المناطق الأخري بدعم كامل وسند رسمي من قبل حكومة المستعمر ، بينما إنقلبت حالة التعايش السلمي في جبال النوبة مع ظهور الحركة الشعبية بعد أن تفشت ثقافة المؤامرات وإقصاء الآخر فى السياسة في مقابل محاولة أبناء النوبة المسيحيين السيطرة والهيمنة على مفاصل الحركة الشعبية والتكتل وإقصاء العنصر النوبى المسلم فضلاً عن القوميات الاخري والتي اصلاً مستبعدة  من التعامل لاسيما ذات الجذور العربية .