«جبال النوبة» … التعايش السلمي والتسامح الديني «2» تمدد النشاط الكنسي في جبال النوبة تحت غطاء تدريب الاهالي علي الإكتفاء الذاتي من الغذاء 

استخدم الاستعمار أبشع اساليب القمع لإخماد الثورات والسيطرة النهائية على الأوضاع في جبال النوبة

ALSAHAFA-25-4-2017-36

جبال النوبة  : إبراهيم عربي

أثبتت «جبال  النوبة» إنها حقا «بلد التعايش السلمي والتسامح الديني» ، بلاد تتميز بانسانها المبدع المتفرد وبمجتمعها المتعايش والمتصاهر هوالمتجانس كما تتباين فيها ادوات ووسائل التدين وتتعدد عندها طرق التعبد والتقرب الي الله بلا غلو وبلا تطرف ،  فالاسرة الواحدة في جبال النوبة تجد فيها «المسلم والمسيحي واللا ديني» ولكنهم يحبون بعضهم بعضاً بكل إحترام وأدب وإعتراف بالأخر ولن تجرؤ لان تصف أحدا منهم بإنه «غير مسلم » ، انها حكايات وروايات كشف عنها احتفال لجمعية سنابل الجبال وخلاوي الفاروق بالخرطوم في مارس الماضي بمناسبة تخريج اول حافظ للقرآن الكريم بالخلوة ضمن «200» طالب دفعت بهم الجمعية من مناطق «هيبان ، ام دورين ، البرام ، دلامي وغيرها» في جنوب كردفان والتي تعرف بأنها مناطق تمدد فيها قوات الحركة الشعبية «قطاع الشمال» كما انها ظلت تعرف تاريخيا بمناطق «التمدد الكنسي» في جبال النوبة  ، المناسبة كشفت عن معلومات وحقائق وارقام مهمة كما كشفت ايضا القناع عن وجه الغطاء الكنسي في السودان وفي منطقة جبال النوبة خاصة ، هذه المعلومات وغيرها ابكت الكثيرين من اصحاب الحمية والهم الإسلامي .متابعة لما إنقطع في الحلقة الأولي فان المسيحية قد تغلغلت في كردفان باكرا وليست البداية فقط بتأسيس كنيسة ومدرسة بالأبيض والتي جاءت بتوجيه ودعم من الأب «كمبوني» في الأبيض والتي تعتبر أحد معالم المؤسسات الدينية المسيحية في العام 1871 ومنها إمتدت بعملها إلي جبال النوبة تحت غطاء خطة لتدريب الاهالي علي الإكتفاء الذاتي من الغذاء عبر الزراعة ، ليس ذلك فحسب بل المتابع يجد ان  الكنيسة بذاتها قد تقلبت وتعددت مسمياتها في كردفان باكراً بسبب الصراع الكنسي نفسه بين طوائفه مابين «الكنيسة اليونانية الإنجيلية والكنيسة اليهودية» قبل أن تصبح الكنيسة تحت لواء «الكنيسة الآرثوذكسية» ويعود تاريخها لفترات مبكرة عندما أرسل البطريارك بطرس الجاولي في الفترة مابين «1809 – 1857» بعض القساوسة إلي الخرطوم والأبيض وبعض المراكز في السودان الشمالي بهدف تمكين المسيحية ، فيما جاء الدعم السياسي الكنسي مباشرا عندما أصدر حاكم السودان حينها غردون باشا أمراً بإعادة فتح إرسالية الدلنج في العام 1877 بعد ان قفلت المهدية ابوابها هناك في وجه التمدد الكنسي  ، بينما لازالت الأبيض رغم جهود الثورة المهدية حتي الأن تشكل مركزاً للتبشير الكنسي لغرب البلاد «كردفان الكبري ودارفور الكبري» ولكنها تعيش بذاتها تسامحاً دينياً وتعايشاً سلميا اصبح مكان اشادة ، بينما إستأنفت الكنيسة الكاثوليكية نشاطها في جبال النوبة في العام « 1906 – 1916» حسبما يؤكد الدكتور طارق في وقت تزامن مع ثورات أبناء الجبال ضد المستعمر فاشتعلت ثورة السلطان عجبنا في الدلنج مطلع القرن العشرين ، كما اشتعلت في مركز تلودي عامي 1908م و1917م وكانت حينها تمثل تلودي عاصمة الجبال كما ظلت  مركزا لجبال النوبا بعد نقل عاصمة كردفان الي الابيض .
تصاعد وتيرة ثورات أهالي الجبال ضد المستعمر ..
ALSAHAFA-25-4-2017-37تصاعدت وتيرة ثورات اهالي الجبال ضد المستعمر بسبب القسوة والجبروت التي فرضها المستعمر علي المجتمع هناك ، بل تطورت الثورات وتفجرت براكينها في جبال النوبة في كل مكان ضد حكم الإدارة البريطانية كما في مركز «كادوقلي» في العام 1904 ومناطق «الداير» في ذات العام، وفي «الليري» عام 1906م ، وفي «هيبان» عام 1911م، وفي «تقوي» عام 1910م وماحولها عامي 1914 و1915م  وفي «شط الصافية» عام 1914م، وفي «ميري» عام 1915م ،  وفي الاثناء تم اكتشاف «كاودا» في العام 1918 حيث أسستها االإرساليتان «الإسترالية والنيوزيلندية» لمرحلة جديدة بخطة واستراتيجية لها ما بعدها  ، كما يقول القيادي السابق بالحركة الشعبية الفريق دانيال كودي رئيس الحركة الشعبية جناح السلام لتلحق كاودا برفيقاتها «هيبان وأم دورين وعبري في دلامي وتبانيا في البرام» ،علاوة علي الإرسالية الأسقفية في سلارا وكرنقو وكاتشا. والمتابع يجد أن المناطق المذكورة لازالت بذاتها مناطق سيطرة الحركة الشعبية مما يؤكد انها كانت خطة مرسومة بعناية وان الحركة الشعبية تسير في ذات الاتجاه  ، ولم تتوقف الثورات بل انتشرت ضد الإدارة الأجنبية في مركز الدلنج في مناطق «المنادل» عامي 1914م و1919م ، وفي «كاندرو» عام 1906م ، وفي «فندا» عام 1908م، وفي مناطق «كجورية» عامي 1908م و1909م ، وفي «تيما» عامي 1909م و1910م، وفي «سيبي» عام 1914م ، وفي «ذلمار» عام 1914م وظل النيمانج في ثورة دائمة ضد الحكم الأجنبيّ من «1908 ــ 1918م» .
الاستعمار يقمع الثورات  بشراسة في جبال النوبة
لم تتمكّن الإدارة البريطانية الأجنبية من السيطرة النهائية علي جبال النوبة فاستخدمت معها ابشع اساليب القمع والتي تعتبر في عالم اليوم جرائم دولية بل انتهاكا للانسانية يعاقب عليها القانون الدولي ومن بينها تدمير مناطق الليري بالقاذفات والطيران لأول مرة في أفريقيا حيث لازالت أثارها في جبل لفوفا هناك حتي تمكنت من السيطرة عليها في عام 1929 وذلك بعد ثلاثة أعوام من سيطرتها علي ثورة جنوب السودان عام 1926م بسحق قبيلة «التبوسا » الثائرة ، فقمعت حينها الحكومة الاستعمارية المعارضة الثائرة بشراسة في الليري بقيادة البطل كوكو كوبانقو وأخيراً إستخدمت حيلها الماكرة والخبيثة للقبض عليه حياً فاستسلم لها ومن ثم تم ارساله للسجن في الخرطوم، ويقال انه مؤسس حلة كوكو بالخرطوم بحري ، وعاقبت الإدارة البريطانية جبال النوبة التي ثارت ضدّها علي مدي «31» عاماً متَّصلة ومارست معها أبشع أنواع القمع ، وليس ذلك فحسب بل وضعتها تحت دائرة  تهميش مقصودة ومحكمة وفقاً لـ«قانون المناطق المقفولة» ، الذي استنته الإدارة البريطانية عقاباً للثائرين في «جبال النوبة، وجنوب السودان، وجنوب النيل الازرق» .
إستغلت عملها في التبشير تحت غطاء المسح الميداني لمرض الجزام ..
فاستخدمت ادارة الاستعمار خطتها مستفيدة من الوضع الماثل هناك لمساعدة الإرساليات التبشيرية والتي إستغلت عملها في المسح الميداني لمرض الجزام الذي ضرب المنطقة في تلك الفترة في ظل سريان قانون المناطق المقفولة في العام 1922 ، فاستغلتها سانحة وفرصة لإنتشار التبشير الكنسي وإبعاد كافة مظاهر العروبة في هذه المناطق كما يؤكد كودي ، وقال إنها لم تتوقف عند ذلك الحد فحسب ، بل عملت علي ترجمة الأناجيل علي أن تكتب بالحروف الإنجليزية حسب اللهجات المحلية لأي من هذه المكونات كما في حالة «الأطورو ، هيبان وغيرها» ،فيما لا توجد في الأثناء إلا مدرسة «المعونة الأمريكية» في كاودا طيلة الفترة مابين «1916 – 1957» والتي تعتبر بذاتها خطة مستقبلية والأن تعرف بـ«مدرسة الكادر» لتدريب القيادات السياسية للحركة الشعبية ، وقد ساهمت في إنجاح مساعي التمدد الكنسي بالمنطقة  ، واصدر الاستعمار عدة قرارات لحماية التبشير الكنسي في جبال النوبة من بينها انه اصدر في العام 1919 أمراً رسمياً بدعم العمل التبشيري في جبال النوبة وتم إفتتاح مركز «هيبان» في العام 1920 ويعتبر حتي الان المركز الرئيسي وتوالت من بعده المناطق الأخري بدعم كامل وسند رسمي من قبل حكومة المستعمر ومنها تم تخصيص إرسالية السودان المتحدة لرعاية التبشير والتدريب ودعمه قبل ان تتولي الكنيسة الأسقفية زمام الأمر في العام 1934 فافتتحت لها عدة مراكز لها في كل من «سلارا ، كادقلي ، عبري ، هيبان ، كاتشا ، كاودا ، مورو ، تالودي ، تبانيا » وتم دعم ذلكم العمل حتي خروج الأجانب في العام 1962 ليتولي الخريجون السودانيون الأمر من بعد للحفاظ علي جذوة الفتنة متقدة .
الاستعمار كان ينتهج سياسة تهدف إلي فصل الجنوب
وندرك ان العديد من الوثائق تؤكد ان الاستعمار كان يعمل لاجل مصالحه وتهدف إلي فصل الجنوب وضم جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق لها ،وقد كشفت الوثائق تلك المآلات والنوايا الاستعمارية البريطانية تجاه السودان وجبال النوبا بصفة خاصة باكراً وقد ربط الإستعمار كافة اطر العلاقة بينهما بعيد عن الاجزاء الشمالية ، واثبتت الوثائق تلك النوايا عقب حركة اللواء الابيض  1924 والتي يعتبر مفجرها علي عبد اللطيف احد ابناء تلودي بجبال النوبة / جنوب كردفان ،كما تجد تلودي بذاتها مكانة خاصة عند الاسرة المالكة في المملكة المتحدة تؤكدها تلك الصورة والتي تجدونها في مكان ما صورة لعائلة جلالة الملكة إليزابيث في مدينة تالودي بالسودان 1925 نشرها السفير مايكل أرون علي حسابه في تويتر كما تناقلتها بعض المواقع الالكترونية وكانت تري بريطانيا حينها أن مصالحها الإستعمارية في السودان وشرق أفريقيا ، تقتضي بأن تنتهج سياسة «فرق تسد » تهدف إلي فصل الجنوب عن الشمال أملاً في أن يتم ضمه في المستقبل لممتلكات بريطانيا في يوغندا، وشرق أفريقيا.. ولتحقيق هذا الغرض إتجهت السياسة الإنجليزية إلي عزل الجنوب عن الشمال ومن ثم تصفية الوجود الشمالي في الجنوب بشتي الوسائل ولذلك جاءت بقانون المناطق المقفولة في سبتمبر 1922 وبموجبه جعلت الجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الازرق مناطق مقفولة لا يجوز دخولها أو الخروج منها إلا بإذن خاص من السلطات «وقد هدف هذا القانون إلي إبعاد الشماليين من جنوب السودان وجبال النوبا وإستبدالهم بالأغاريق والسوريين والمصريين المسيحيين، و تقليل أعداد الجنوبيين وابناء الجبال الراغبين في الإنتقال للعمل في الشمال، كما كشف الدكتور حسن أحمد إبراهيم في كتابه تاريخ السودان الحديث قال ان الادارة البريطانية اصدرت ايضا قانون آخر في سنة 1925 منعت بموجبه الشماليين من التجارة في الجنوب وجبال النوبا إلا بإذن خاص من السلطات» .
استبدل الاستعمار اللغة العربية باللغة الإنجليزية واللهجات المحلية ….
وتحوطت الادارة البريطانية لخطوتها باكراً قبل اصدارها «قانون المناطق المقفولة» منذ بروز ثورات الجبال التحررية ولتنفيذ سياستها إتجهت إلي القضاء علي اللغة العربية في الجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الازرق وإستبدالها باللغة الإنجليزية واللهجات المحلية ، كما شجعت الموظفين الإنجليز علي تعلم اللغات الجنوبية، ووصل بها الأمر حد تشجيع الجنوبيين واهالي جبال النوبا علي إستبدال أسمائهم العربية بأسماء قبلية ، وأن يتركوا لبس الملابس العربية وإستبدلوها بالزي الأفرنجي ،كما نجد اليوم ان كثيرين من هم بالحركة الشعبية بدلوا اسماءهم الاسلامية والعربية تماهياً مع الافريقية كما حدث من «ارنو نقوتيلو لودي » والذي بدل اسمه من «محمد اسماعيل و«جاتيكا اموقا» والذي بدل اسمه من قمر عبد الرحمن ضلمان» وغيرهم كثر .
«ثلاث» مذكرات مهمة كشفتها المصادر التاريخية 
بينما عملت الحكومة الاستعمارية باكرا علي ربط قضايا جبال النوبا وجنوب النيل الازرق بجنوب السودان ، وقد منعت الادارة البريطانية مديري المديريات الجنوبية وجبال النوبا وجنوب النيل الازرق من حضور إجتماع مديري المديريات الذي كان يعقد سنوياً في الخرطوم كما يقول الدكتور حسن أحمد إبراهيم في كتابه ، فكان عليهم أن يجتمعوا وحدهم وأن يكونوا علي إتصال بزملائهم في يوغندا وكينيا وهذا ماجعل جبال النوبة مرتبطة بالتعليم بالنظام الكيني واليوغندي وقد كشفت المصادر التاريخية عن «ثلاث» مذكرات لجنة «ملنر» عن الوضع بالنسبة لجنوب السودان وجبال النوبا وجنوب النيل الازرق ، كانت الأولي منها بتاريخ 15 فبراير 1920 بعنوان «فصل السودان عن مصر»، وتبحث هذه المذكرة في «اللامركزية في حكومة السودان بهدف فصل الزنوج عن الأراضي العربية» واقترحت المذكرة فصل السودان إلي شمالي وجنوبي وإقامة خط فاصل يمتد من الشرق إلي الغرب حددت مواقعه .
الصرف علي التعليم التبشيري يتم عبر  ميزانية الحكومة …
و  اكدت المصادر أن السلطات المسئولة في الخرطوم اعدت مذكرة اخري ذات تصور أكثر تحديداً وقد جاء فيها «أن حكومة السودان سوف تكون علي إستعداد للإندماج في حكومات أملاك أفريقية أخري مثل أوغندا وشرق أفريقيا إذا كان الأمر يخص الزنوج.. أما المديريات العربية فهي تحتاج إلي معاملة مختلفة وعلي ذلك عملت الادارة البريطانية لحماية ALSAHAFA-25-4-2017-40ودعم التمدد الكنسي وبناء عليه صدرت مذكرة في 14 مارس 1920 جاء فيها «إن سياسة الحكومة هي الحفاظ علي قدر الإمكان بجنوب السودان بعيداً عن التأثير الإسلامي وبالتالي جبال النوبا وجنوب النيل الازرق ، علي ان يتم توظيف المآمير من عناصر السود، وعندما يكون من الضروري إرسال كتيبة من المصريين فيختار الأقباط وأصبح يوم الأحد هو يوم إجازة رسمية بدلاً من يوم الجمعة كما في الشمال كل ذلك هدفت به إلي تشجيع المشاريع التبشيرية وفتحت بالتعاون مع المبشرين عدداً من المدارس الأولية والوسطي ووضعت التعليم فيها تحت يد الإرساليات المسيحية لنشر المسيحية وربط المنطقة بالحضارة الغربية وتمكين العزلة الثقافية بينه وبين الشمال ، وقد كان يصرف علي التعليم التبشيري من ميزانية الحكومة، التي تأتي أساساً من المديريات الشمالية ، مع زيادة المدارس التبشيرية …
نتابع في الحلقة المقبلة كيف لعب المبشرون دوراً كبيراً في خلق مشكلة السودان وحتي بعد إستقلال السودان وماهي فحوي المذكرة التي أعدها السكرتير الإداري هارولد ماكمايكل في العام 1930 وأرسلها إلي مديري المديريات الجنوبية الثلاث ورؤساء المصالح ، وكيف إنقلبت حالة التعايش السلمي في جبال النوبة حروباً وإقتتالاً  مع ظهور الحركة الشعبية ومحاولة الحكومة إحكام سيطرتها وقبضتها وفرض هيبتها وما هي الأدوار والممارسات التي لعبتها قيادات الحركة الشعبية لدق إسفين قوي داخل الأسرة الواحدة في جبال النوبة ، وكيف تفشت ثقافة المؤامرات وإقصاء الآخر في السياسة في مقابل محاولة أبناء النوبة المسيحيين السيطرة والهيمنة علي مفاصل الحركة الشعبية والتكتل وإقصاء العنصر النوبي المسلم فضلاً عن القوميات الاخري .