ذات يوم

421ظهيرة الأحد بالخرطوم ، قيظ يفاقم أعراض الغيظ تطوعا ، الشمس معتمة ، قام بين نورها والارض شئ غريب ، هو رطوبة وبعض سخونة خانقة ، ليست سخونة في واقع الامر ومن نفث من جحيم ، كنت علي موعد مع احدهم ، ادار لي شروح وصف الخرط والاتجاهات فوجدت نفسي في «العمارات» ، وصلت بناية مكتبه ، قال انه بالطريق الي ، عادة السودانيين التي لا يكتمل دونها مزاجهم ، خلف المواعيد ! وكنت حينها قد ضجرت ، الطقس والضجيج وفوران الدماغ من الحر ، لا يقيم لك حسن ظن بالسكينة ، تخيرت ظلا علي جدار ، تحول برحمته الي سكن ، لفضوليين امثالي ، وسمسار عقارات دل عليه اكثاره من الحلف والطلاق ، لمرافق معه ، قربهما جلس صبي «ورنيش».
لفتني اليه ومع انعدام الزبائن رزم كتب من القانون ، يطالعها ويدون ملاحظات ، فان لمح شبح زبون دسها ، ورفع مكانها علي ملتقى ركبتيه فوطة تلونت بسواد الطلاء ، تقربت اليه ، وبعد قليل تحايا ، سألته وانا اشير لأحد الكتب ، هل تحب القانون ؟ اجاب بابتسامة متواضعة انا تخرجت من كلية القانون باحدى الجامعات ، قلت «يا سلام ياخي» ، جررت مقعدا ، اخفيت قدمي وحذائي ، خجلت ان يزيل غبارهما خريج ، مع يقيني ان «الشغل مش عيب » .
تحرك عندي ملاك الإنسان ، فضول الصحفي ، ثرثرة من ينظر لخبايا التفاصيل ، قلت له حدثني عن نفسك ، لمست منه استياءً طاف علي محياه ، حتما أزعجه حشر الأنف في هذه الظهيرة الساحقة بالحرارة ، بيد انه عبر تحفظه قال انه «فلان» سمي نفسه «نسمة» من عباد الله ، حدد لي علي جغرافيا مسارات الهواء ولايته ومحليته ثم قريته ، قال يسألني هل عرفتها ، جاملته بابتسامة كبديل عن قول «لا» واسترسل يحمد الله حمدا ثريا باذخ السخاء ، كان يحادثني وهو ينظم اصطفاف كتابين ومذكرة عن «المعادلة» ويرص فوارغ علب «الكيوي» وبعض سوائل غسيل الاحذية ، حدثني عن شقيقته التي توشك علي التخرج في كلية الاعلام باحدى جامعات السودان العريقة ، قاطعته وانا اقتطع ورقة من احد كراساته اكتب اسمي كاملا وهاتفي واقول سأضمن لاختك فترة «تدريب» بصحيفة «الصحافة»، وان رغبت في غيرها ساتشفع لها عند زملاء لا يصدون راجيا ، تهلل وجهه ظللني بعبارة السودانيين الاليفة «ما بتقصر ..تسلم».
دقائق الأنس حافلة ، تعرفت الي شاب قمة التهذيب والتفاؤل ، وفوق هذا الصبر الجميل ،قطع حديثنا شخص اظنه صاحب سكن او شركة بالجوار ، أتانا يرفل في ثياب بيضاء ليس عليها اثار فاقة او سفر ، سبق عطره سلامه الجهور ، صافح الفتي مصافحة معرفة ، وصافحني ، جر مقعدا وخلع حذاءه «بالله جيهو عمك الليلة عندو مشوار مهم » لم يكن الحذاء بتقديري يحتاج مس شيطان او انسي ، كان فارها مترفا – الحذاء – حتي ان صديقنا المشترك تعامل معه بوجل ! دقائق وكان قد لمع وبرق ، اخرج الرجل رزمة نقد استل منها ورقة عريضة ، دسها في يد صاحبنا وهو يقول شكراً ، يهرول الي عربته و والشاب يلاحقه بالنداء «الباقي يا حاج» والاخر يرفع يديه «شكراااااا» ، امسك ماله طيف امتنان كاد يتقطر دمعاً غشي وجهه الاسمر .
قال لي كنت ألعن ظروفي واسيئ الظن بالبعض لكن جلوسي هنا – يتكلم يحدثني – كشف لي عن ملامح الناس في احترام من يحترمهم ، قال ان هذا الشخص مرات يحضر لي مرتين صباحا وظهيرة يلمع حذاءه ويفعل مثلما يفعل بعد ان عرف اني طالب ، قلت له عرفت فالزم يا صديقي، هذا شعب جميل وبلد وبقسوة صيفه مثل اوطان الربيع ، ومضيت عنه لمقصدي وحرارة الجو تبدلت عندي لأنسام عاتية.