هندسة الطريق إلى التطبيع.ليمان «الامتحان» الأمريكي لرفع العقوبات عن السودان

تقرير:نفيسة محمد الحسن

ALSAHAFA-30-4-2017-18مع إدراك الخرطوم وواشنطن بقدرات كليهما في التنازل والمناورة.. والتقارب الاخير بينهما على مستوى الجهازين التشريعي والتنفيذي… تبدو احتمالية الرفع الكلي للعقوبات عن السودان محل جدل بين فريقين… أحدهما يرى إمكانية النجاح… وآخر لا يرى بصيص أمل على الأقل في الوقت الراهن…. وحسب التقرير الذي اعده السفير المتقاعد برنستن ليمان حول امكانية تخفيف العقوبات عن السودان بشهادته امام اللجنة الفرعية والشؤون الخارجية عن افريقيا والصحة العالمية.. والذي تضمن عددا من الجوانب الايجابية لصالح السودان والرؤية الامريكية تجاهه مستقبلاً… معتمدة على مكانته كدولة محورية في المنطقة.. «وليس في منطقة القرن الافريقي فحسب، بل في منطقة شمال افريقيا والساحل أيضا»… الا ان الجانب الاخر يرى ان وعود واشنطن للخرطوم متكررة و«سئمت» منها كل الاوساط.. رغم الجهود الحثيثة للحكومة لتجاوز ذلك….
الوصايا العشر…
وبحسب الخبير السياسي الدكتور «صلاح الدومة» إن السياسة الأمريكية لا تتاثر برئيس، وإنما هي مبنية على الوصايا العشر، التي وضعها «هنري كيسنجر» و«برنجسكي» وهما اللذان تقلدا منصبي مستشارين للرؤساء الأمريكان، و«كيسنجر» هو من أشهر الوزراء الأمريكان خلال السبعينيات، وهو من الذين وضعوا الوصايا العشر، فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية بمختلف أفرعه، وهي أسس محددة وثابتة، ولا يستطيع أن يحيد عنها أي رئيس للجمهورية، وأن العقوبات المفروضة على السودان، جاءت نتيجة لهذه الوصايا، وأي رئيس يأتي فلن ينجو السودان من هذه العقوبات إن لم يقدم فروض الطاعة والولاء…
تلميحات لم ترَ النور..
وقبل اكثر من عامين اعترفت إدارة الرئيس السابق أوباما بالجهود التي تبذلها الحكومة السودانية… وألمحت إلى إمكانية رفع العقوبات عن السودان، وفي تقريرها السنوي حول الإرهاب العالمي في عام 2014م، أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى معارضة حكومة السودان لتمويل العناصر المتطرفة.. وأن بنك السودان المركزي ووحدة استخباراته المالية وزعا على المؤسسات المالية قائمة بأسماء الأفراد والكيانات التي أُدرجت في القائمة الموحدة للجنة العقوبات «1267» التابعة للأمم المتحدة، فضلاً عن قوائم الحكومة الأمريكية للمنظمات الإرهابية والممولين الإرهابيين، وتم تجريم تمويل الإرهاب في قرار الأمم المتحدة رقم «1373» في السودان وفقاً لأحكام قانون مكافحة غسل الأموال السوداني لعام 2003م، كما أن الحكومة واصلت التعاون مع مجموعة العمل المالي، واتخذت خطوات للإيفاء بالمعايير الدولية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، واعتمدت، في عام 2014م، قانون مكافحة غسل الأموال وقانون مكافحة تمويل الإرهاب وصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واستمر السودان في التعاون مع الولايات المتحدة بشأن التحقيق في الجرائم المالية المتعلقة بالإرهاب… وبعد رفع العقوبات اشترطت الادارة الامريكية على الخرطوم ب«5» بنود للرفع الكلي.. وما ترتب عليه حتى الان تشير التقارير الى جهود حثيثة للخرطوم لتنفيذها.
شهادة شاهد…
وامس الاول جاءت شهادة شاهد في صالح السودان …حيث قال ليمان «على الرغم من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على الحكومة، ورغم جهود المقاتلين للإطاحة بها، إلا أن الحكومة الحالية لم تسقط، وما زال مستقبل السودان متعلقا بها بشكل كبير»… واضاف «أرى أن سقوط الحكومة أو إسقاطها بالقوة لن يحقق الأهداف الرئيسة للولايات المتحدة الأمريكية، وأكاد أجزم أنه لن يحقق السلام والديمقراطية والرخاء الذي يستحقه الشعب».
وتساءل… كيف يمكننا إذن الجمع بين العوامل، الاعتراض على الحكومة من مناح شتى، وفي ذات الوقت اعتبارها لاعبا إقليميا ذا أهمية كبرى لنا؟…
اعادة النفوذ في الشرق الاوسط..
اكد العديد من المراقبين «حاجة» واشنطن الان الى عمل مضاعف لاعادة لمّ الشمل العربي حولها اولاً، واعادة نفوذها الى المنطقة ثانياً، حيث يظهر بوضوح ان تركيا ابتعدت عن السرب الامريكي فيما ايران لم تقترب منه كما كان متوقعاً بعد الاتفاق النووي، وتنتظر الدول العربية الصورة الواضحة لما ستؤول اليه الاوضاع لمعرفة مصيرها، لذلك احتمالية التوافق بين واشنطن والخرطوم اصبحت قريبة مما يقود الى الرفع الكلي للحظر .
ولمس ليمان في شهادته رغبة الخرطوم في التعاون مع واشنطن… وان الاولى تعوّل كثيرا على تلك العلاقة… وهذا بشكل رئيس بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي تحاصرها اقتصاديا، وتعزلها سياسيا، وتقلل من خياراتها… مضيفاً لكن العقوبات تكون مفيدة إذا حققت التغيير فحسب، ونرى هنا أنها لم تحقق بعد عقود من تطبيقها .. ولم تنه الحرب في دارفور، ولم تؤد لحل الصراع في المنطقتين، أو حتى تؤدي إلى التعاون في المجال الأمني.. داعياً الى تركيز السياسة الأمريكية على إيجاد وسائل تجعل الحكومة ومناصريها علاوة على المعارضة تلتزمان بإحداث التغيير المطلوب، وهذا يتطلب حواراً عميقاً، وحول العقوبات قال ليمان «ان العقوبات التي تم تجميدها وقد يتم إنهاؤها في يوليو، فإنها أقل مما يبدو، ورغم أنها ستفتح الطريق للتجارة وتنعش الاهتمام بالاستثمار، إلا أنه في ظل وجود عقوبات أخرى مطبقة، وبالنظر إلى استمرار وجود السودان على لائحة الدول الداعمة للإرهاب، فإنه من غير المرجح أن تحدث استثمارات طويلة الأجل، وستظل المؤسسات المالية تنظر بتحفظ، بينما يحتاج المستثمرون إلى ضمانات طويلة الأمد، كما أن إعفاء الديون لن يتم النظر فيه».
مؤشرات ايجابية..
اعتبر مراقبون ان شهادة ليمان تأتي «تكملة» للمؤشرات الايجابية التي بدأت تظهر منذ اعلان رفع الحظر الجزئي للعقوبات عن السودان في خواتيم عهد اوباما… حيث تلتها تحركات دبلوماسية بين البلدين قادت الى تعاون وشراكات وزيارات للبرلمان في البلدين…. بالاضافة الى الخطوة المهمة وهي مشاركة الخرطوم في قمة رؤساء أركان المجموعة الأمريكية الأوروبية الأفريقية المعروفة «أفريكوم» بألمانيا، بوفد عسكري رفيع بقيادة رئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق اول عماد الدين عدوي.. تشكل هذه خطوة مهمة باتجاه شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء العقوبات الأمريكية كليا…. وتسجيل تنامي التعاون العسكري والأمني الأمريكي السوداني خلال الفترة الماضية… ما يشير الى رهان واشنطن الواضح على الخرطوم للعب أدوار أمنية متقدمة على الساحة الأفريقية.
ويرى محللون وخبراء عسكريون وسياسيون أن خطوة إشراك السودان في قمة أفريكوم تحمل دلالة مهمة لجهة تغيّر النظرة الأمريكية حيال السودان الذي لطالما اعتبرته مارقا على القانون وراعيا للإرهاب.
وقال الخبير العسكري اللواء نجيب بن عوف في حديثه ل«الصحافة» مشاركة السودان لاول مرة في اجتماعات قمة رؤساء أركان المجموعة الأمريكية الأوروبية الأفريقية بمدينة شتوتغارت، تعد مؤشرا لتجاوز مرحلة رفع العقوبات إلى التعاون في قضايا تشكل التزاما للسودان في محاربة الجرائم العابرة للحدود مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية ودعم الحركات السالبة وتجارة السلاح.. مؤكداً انها دلالة على انفراج العلاقات مع الولايات المتحدة وخطوة لرفع اسمه من قائمة الدول الداعمة للإرهاب.. وان التحالفات العسكرية من مصلحة السودان.. وسبقت هذه الخطوة مؤشرات عدة من قبيل الزيارات المتبادلة لأمنيين رفيعي المستوى من البلدين وآخرها زيارة مدير عام جهاز الامن محمد عطا المولى إلى واشنطن بدعوة رسمية من نظيره الأمريكي مارك بومبيو.
وأفريكوم وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تديرها وزارة الدفاع الأمريكية، وتوكل إليها مسؤولية العمليات الأمريكية والعلاقات العسكرية مع 53 دولة أفريقية.
بالاضافة الى إبداء شركات أمريكية زارت البلاد مؤخراً رغبتها في بحث الفرص المتاحة للاستثمار في قطاع النفط في مجال صناعة وتطوير النفط والغاز في كل مراحلها فيما يتعلق بالاستكشاف والإنتاج النفطي وإدخال تكنلوجيا حديثة لتطوير القطاع والمنشآت النفطية وخطوط الأنابيب ومصافي التكرير، وكل ما يتعلق بعمل الصناعة النفطية بجوانبه المختلفة في المنبع والمصب وإيجاد المعلومات المطلوبة لإقامة جدوى اقتصادية للمشاريع وخلق شراكات داخل السودان.
قطع الطريق..
ويرى خبراء اقتصاديون أن دخول شركات النفط الأمريكية له إيجابيات أخرى وهي قطع الطريق أمام عودة العقوبات الاقتصادية مرة أخرى لا سيما أن أصحاب المصالح الأمريكية وكبرى الشركات كان لها دور كبير في رفع العقوبات للاستفادة من الاستثمار في السودان ، لأن كلا الطرفين سوف يدافع عن المصالح المشتركة في هذه الحالة، خاصة أن هذه الشركات لها مقدرة على التسويق وتستطيع إنشاء مصافٍ متقدمة وتجذب معها شركات في مجال خدمات الآبار والأنابيب، ما سيعود بفوائد متعدّدة على هذا القطاع ما يحتم على رجال الأعمال السودانيين ترتيب أوضاعهم لاستقبال وتنشيط العلاقات مع نظرائهم الأمريكيين خلال الفترة المقبلة..
تحقيق.. تنصل!
من خلال الواقع الراهن فإننا نرى كلما حققت الخرطوم شروط الولايات المتحدة في جانب من أجل رفع العقوبات الاقتصادية… تنصلت الولايات المتحدة من وعودها بدعاوى جانب آخر.. الأمر الذي يحتم على الطرفين وضع النقاط على الحروف من أجل الوصول إلى تفاهمات مشتركة تقود إلى حلول نهائية… وما لم يحدث هذا فإن المجهودات الكبيرة التي بذلتها الخرطوم بشأن الحظر الأمريكي ورفع العقوبات الاقتصادية ورفع اسم السودان من الدول الراعية للارهاب ستظل «أشواقاً» سودانية تحاصرها «أشواك» واشنطن التي ترفض تطبيع العلاقات مع السودان.