تنمية وتطوير «المورد» البشري… أين الخلل؟

13-08-2016-05-4الإنسان هو محور الحياة ومفتاح تنميتها وتعميرها، ولذلك فإن تدريب الكادر البشري والاهتمام به هو «الضمانة» الوحيدة لتنفيذ الخطط الاقتصادية والاجتماعية بنجاح. في السابق كانت الحكومة تفرد اهتماماً خاصاً بالتدريب، وذلك من خلال عدة مؤسسات أُنشئت لهذا الغرض أولها الإدارة القومية للتدريب التي كانت تقوم بتدريب موظفي القطاع الحكومي داخلياً وخارجياً، وكان من المتعارف عليه أنه من بداية كل سنة مالية تتسلّم الوحدات الحكومية منشورات من الإدارة القومية للتدريب لتحديد الاحتياجات التدريبية للدولة ورصد الميزانيات المناسبة لها، حيث يتم تدريب داخلي في مركز تطوير الإدارة وأكاديمية الخدمة العامة والإصلاح الإداري، بينما يتم اختيار عدد من الكوادر لابتعاثهم للتدريب في عدد من الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية وبعض الدول العربية مثل جمهورية مصر. هذا النشاط التدريبي كان له أثر فاعل في تطوير الأداء في دولاب الدولة. ولكن هذه التجربة التي استمرت سنين عدداً صاحبتها سلبيات حدت من فاعليها وأقعدتها عن بلوغ أهدافها النهائية، ومن بين هذه السلبيات انتشار ظاهرة «زوغان» من يتم ابتعاثهم على نفقة الدولة من كبار موظفي الخدمة المدنية إلى أمريكا وأوروبا للتحضير لدرجتي الماجستير والدكتوراة، فكانوا يقومون بالالتحاق بالعمل إما في أوروبا أو دول الخليج غير آبهين بما نالوه من تدريب عالي المستوى على نفقة دافعي الضرائب من جماهير الشعب السوداني، وهذه الظاهرة تفاقمت منذ بداية الثمانينيات عند بروز دول الخليج كدول نفطية. وإزاء ذلك أوقفت الحكومات في أوقات لاحقة التدريب الخارجي على نفقة الدولة واكتفت بالتدريب الداخلي في المؤسسات القائمة، وهذه نفسها أصابها الوهن نتيجة لنقص الميزانيات المخصصة للتدريب حتى أصبحت إدارات التدريب في المؤسسات الحكومية إدارات هامشية ولا عمل لها. ومن الجانب الآخر نجد أن مؤسسات القطاع الخاص ليست لديها رغبة في تدريب عناصرها والإنفاق على هذا البند، على اعتبار أن تلك المؤسسات إنما تقوم بتعيين الكوادر «الجاهزة» ولا تعتمد أية مخصصات لتدريب الكادر البشري طرفها. ولذلك نجد أنّ شرائح كبيرة من العمالة السودانية سواء كانوا خريجي جامعات أو فنيين أو عمالاً مهرة لا يحظون بأي نوع من أنواع التدريب لرفع قدراتهم وتطوير مهاراتهم، ومن هذا الباب تسربت العمالة الأجنبية إلى بلادنا وأصبحت مشكلة من المشكلات التي تحد من تطوير مواردنا البشرية وتنمية مهاراتها وفتح آفاق التقدّم أمامها، ولعلنا نلاحظ ذلك في ما يعرف بالقطاع الحر، حيث نجد من الصعوبة بمكان وجود عامل ماهر يؤدي لك عملاً بجودة عالية لا يحتاج لمراجعة ومراجعات بل حتى البائعين في «المولات» الضخمة ومحلات السوبر ماركت لا يحسنون مهارات فنون البيع ومعاملة الزبائن! والشاهد أننا نحتاج إلى «معارك» تدريبية في مختلف الجبهات تكون الحكومة إحدى آلياتها وليست كل أدواتها، فلماذا لا تنشط منظمات المجتمع المدني في الدخول إلى هذا الجانب وتسهم في تدريب الشباب ومنسوبي القطاع الحر وإكسابهم مهارات جديدة واطلاعهم على كل المستجدات الخاصة بمجال عملهم وتعزيز كفاءتهم بما يمكنهم من أداء وظائفهم بكفاءة وفاعلية وتأهيلهم للتعامل مع المتغيرات المحلية والعالمية. إذا أردنا نهضة شاملة لا بد من إعداد وثيقة وطنية لتدريب وتأهيل الكوادر تشترك في إعدادها الجهات الحكومية والخبراء والقطاع الخاص وقطاعات المنتجين، وأن تحدد هذه الوثيقة الرؤية المستقبلية لإعداد الكوادر وبناء قدرات الشباب على وجه الخصوص لقيادة السودان في المستقبل بكافة الأبعاد التي تتطلب التطوير والتأهيل وبناء القدرات وتشجيع وتحفيز العاملين الشباب على تطوير كفاءاتهم وإمكاناتهم الذاتية والمهنية وتشجيعهم على التدريب المستمر. ولا بد لهذه الوثيقة أو الرؤية من متطلبات مثل دفع مؤسسات القطاع الخاص لتحسين بيئة العمل وتخصيص أجور مجزية والقيام بدورها في المسؤولية الاجتماعية، مع إعداد الكوادر المطلوبة والقادرة على النهوض بمجالات عمل القطاع الخاص إلى جانب نشر وتعميم مراكز التدريب ونقل التقانة في مناطق الإنتاج وتوفير معينات العمل. المهنيون والفنيون هم أساس الإنتاج، ولذلك لا بد أن تعتمد الوثيقة تشجيعهم وتحفيزهم للانخراط في العمل الإنتاجي المباشر مع الوضع في الاعتبار الاستفادة من جهود المنظمات الإقليمية والدولية المختلفة وما يُقدّم من بلدان العالم كافة من منح تدريبية، وهذا الجانب تنبع أهميته من استعداد هذه المنظمات لتمويل وتبني مناشط التدريب ورفع القدرات التي أصبحت هماً دولياً. ولوضع هذه الأهداف في إطارها الصحيح لا بد من إنشاء إطار مؤسسي لوضع الأهداف والخطط التفصيلية والبرامج التشغيلية ومتابعة التنفيذ والتقييم والتقويم. هناك مجالات مهمة واستهدافها في إطار هذه الرؤية يجعل منها أكثر حيوية وقيمة مثل التدريب المتخصص أثناء العمل للكوادر وفقاً للقطاعات التي يعملون بها لتطوير المهارات واكتساب مقدرات جديدة، وذلك من خلال التدريب الوظيفي وتحفيز المتدربين على الاستمرار والمساهمة في التنمية المؤسسية، مع اعتماد أنظمة وسياسات الحوافز لجذب وإبقاء الموارد البشرية في خدمة القطاع الخاص. ومن أهم الجوانب على الإطلاق تشجيع المتفوقين والمبرزين في كافة التخصصات بالتركيز على الكوادر ذات النوعية خاصة العلماء والخبراء في مجالات مهمة مثل الهندسة والبرمجيات والرياضيات وعلوم الإحصاء والطاقة المتجددة والهندسة الوراثية وتكنولوجيا إنتاج المواد الجديدة وعلوم المحيطات، إضافةً إلى علماء التنبؤ والمستقبليات إلى جانب الاستثمار في إعداد وتأهيل الكوادر البشرية والقضاء على مسألة عدم المواءمة بين مخرجات التدريب ومتطلبات سوق العمل، حيث أن الكوادر البشرية المؤهلة والقادرة على الإنتاج والإسهام في تحريك عجلة التنمية ستكون محوراً فاعلاً في التنمية المنشودة. والاهتمام بتدريب وتأهيل المورد البشري من جانب الحكومة والقطاع الخاص سيكون حجر الزاوية في تحقيق التنمية الشاملة ورسم مستقبل زاهر للسودان.