سد النهضة ما له و ما عليه

422 من المفيد جداً أن نذكر بعض المعلومات التي توفر الحد الأدنى لمن يود التعرف على هذا السد الذي يعتبر ثاني أكبر سد في القارة الأفريقية ، و يأتي تالياً للسد العالي في الترتيب.
فجسم هذا السد يبعد عن الحدود السودانية بمسافة 25 ـ 30 كيلومتراً.  و المنحنى الأخير بالسد الذي تتدفق منه المياه تجاه السودان ، لا يبعد عنه السودان في حدوده الجنوبية الشرقية سوى بضعة كيلومترات تقدر بخمسة كيلومترات.
و الطاقة الكلية للسد قد لا تتجاوز في إنتاج الكهرباء لأكثر من 6000 ميغاوات.
و يحجز السد ما يقارب الـ16 مليار متر مكعب من المياه ثابتة و غير متحركة ، أما المتحرك من المياه مندفعاً لتوليد الكهرباء فهو ما يعادل 60 مليار متر مكعب.
لا تستفيد أثيوبيا من المياه المخزنة ، و لكن قد تعود الفائدة للسودان، بحكم أن مياه السد لا تتدفق من الأسافل إلى الأعالي، بل من الأعالي للأسافل و السودان هو الجزء الأسفل مما يتيح زراعة مساحات أوسع بالسودان.
و يقول الخبراء بأن السد لا يؤثر في حصة مصر و لا السودان من المياه ، و لكن في الأمر بعض الخلافات الفنية ، بالرغم من أن اللجنة الثلاثية المصرية السودانية الأثيوبية قد وافقت بالإجماع على مخططه و تصميمه و غير ذلك من ترتيبات الأمن و السلامة.
كما يوفر السد قدراً من الكهرباء للسودان بسعر رخيص ، بمعدل خمسة قروش للكيلو فيما يكلف توليد الكيلو 46 قرشا بالسودان.
و لكن بالنظر إلى إمكانات السودان فإنه يحتاج إلى عشرات الآلاف من الميقاوات مستقبلاً ، و قد تبدو مسألة فائدة الكهرباء الوافدة من أثيوبيا في المستقبل فائدة متواضعة.
و عند بحث مسألة المخاطر من إنهيار السد ، فالأمر هنا ينسحب على كافة السدود سواء أكان ذلك السد العالي أم سد مروي أو خلافهما ، حيث أن الخطر سيكون كارثياً فيما لو تهددت أو تعرضت تدابير السلامة إلى خطرٍ أو إنهيار.
و من الجوانب الإيجابية للسد ، بأنه سيجعل مجرى النيل ثابتاً، و ليس كما كان في السابق بحكم التدفق التدريجي ، و النظامي للمياه، و يقلل ذلك من أخطار الفيضانات بالسودان، و أيضاً يقلل من إنحسارات المياه بالمجرى في فصل الشتاء، و الفترات التي تقل فيها الامطار بالهضبة الأثيوبية.
و بقدر ما طرحناه أعلاه من إيجابيات، غير أن هذا المشروع قد تحيط به الكثير من المشكلات وفقاً لمتغيرات الظروف الإقتصادية و السياسية ، خاصة و أن خبراء الإقتصاد و السياسة، على شبه إتفاق بأن الزمن القادم سيشهد حرباً غير تقليدية عنصرها الأول هو المياه فيما يسمى «بحرب المياه»، خاصة و أن الماء هو عصب الحياة ، و مصدر ثروتها و طاقتها ، و عنصر ديمومتها إعماراً ، و نماءً.
و مادام الأمر كذلك، دعونا نناقش المستقبل على ضوء مركبين هما الإقتصاد ، و السياسة ، مع عدم إغفال العلاقات الدولية، و ما يعتورها حالياً من إختلال و إضطراب لهما صلة وثيقة بالمصالح ، و الآيدولوجيات ، و دوافع السيطرة على الموارد من قبل دول معروفة لا ترضى إلا بأن تتحكم في مصائر الشعوب ، و توجه الرياح في صالح أشرعتها ، و مبتغياتها ، و من المفيد أن نذكر الآتي:
أولاً: بإنشاء سد النهضة يكون السودان مخنوقاً بسدين أحدهما في الرأس و الآخر بالذيل و كلاهما يحويان كميات ضخمة من المياه، و لا يتبقى في مجرى النيل سوى المياه الجارية للسودان.
ثانياً: ما يزال السؤال قائماً ، عما إذا كانت العلاقات الدولية ، تقوم على المصلحة الإقتصادية فقط ، أم أن الروابط الفكرية و المرجعيات الثقافية هما كذلك ينبغي عدم فصلهما عن محاور تلك العلاقات التي لا يمكن بناؤها بمعزل عن العقيدة المشتركة ، و المزاج الثقافي الذي يوجه حركة الحياة و يضمن إنسيابها ، و هنا يبرز السؤال ، عما إذا كانت علاقتنا بمصر أم بأثيوبيا هي المرجحة للكلفة ، خاصة عندما تكون الرؤية بعيدة ، و مستصحبة للتاريخ ، و الحاضر ، و المستقبل.
ثالثاً: على من تقع المسئولية، إذا أصبح السد مستقبلاً و سيلة للضغط على السودان و مصر بتدخلٍ خارجي في إطار ما هو متوقع من حربٍ للمياه ، بحسبان أن المياه ستصبح سلاحاً أمضى و أقوى من القنبلة النووية التي احدثت كارثة بهيروشيما و ناكازاكي ، عندما شارف الجيش الياباني أن ينتصر بأسلحته على أمريكا.
و جميع هذا الجوانب معنية بالبحث العميق ، و فوق ذلك لا بدَّ لمن يوافقون على إنشاء السد ، أو يرفضونه أن تكون لهم قرونٌ للإستشعار يتبينون من خلالها على أي قاعدة ضامنة يقوم عليها رأيهم ، سواءً كان ذلك بالرفض ، أو بالقبول.
و تلك هي الحقائق التي لا يملك أحدٌ منا إغفالها بدفن الرءوس كالنعامة في الرمال. و المسألة برمتها تخضع لحسابات الحاضر ، و المستقبل ، و السياسة ، و العلاقات الدولية ، في ظل هذا العالم الذي لا يختشي من وطء الإتفاقيات ، و تمزيقها على نسق قول الرئيس الأمريكي يوماً أمام العالم بأن جميع الشعوب لا خيار لها إلا أن تكون إما مع أمريكا ، أو مع الإرهاب.