«موت صغير»

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

يعتبر فوز الروائي السعودي محمد حسن علوان بجائزة البوكر العربية للرواية 2017، إعادة إحياء لسيرة واحد من أعلام التسامح والبناء الفكري المتقدم في الفكر الإسلامي، وهو الشيخ محي الدين بن عربي، حيث تدور الرواية الفائزة «موت صغير» حول سيرة هذه الشخصية الجدلية في التاريخ، التي لا تزال تمنح قارئها إلى اليوم مزيداً من المتعة الممتزجة بالغموض.
وإذا كانت حياة ابن عربي وفق ما حاول علوان صياغتها في عمله، تقوم على ثيمة السفر والترحال، فإن هذا المعنى يأخذ حيزين في المستوى المكاني، وعلى ناصية الغوص الباطني في ما وراء الذات الإنسانية وما تحمله من محاولة مستمرة وإغواء لا يتوقف، لفهم الوجود من خلال إدراك الخالق والإنسان والكون.
لقد كان ابن عربي نموذجاً لشخص فريد استطاع أن يمضي بعيداً في صياغة البعد العرفاني لنماء الإنسان، معتمداً على اليقين وفق ما طوّره من تجربته الذاتية، المحضة، التي هي نتاج تماهٍ عميق مع هذا العالم وتساؤل مستمر حول مغزى الكائن وماذا يريد وإلى أين يذهب؟ وغيرها من الأسئلة غير المنقطعة، التي لا تجيب بقدر ما توقد الذهن البشري ليكون أكثر إشراقا بالمعاني، بما يحقق الاستقرار الروحي والنفسي ويُوجد للوجود حقيقة مجازية يستند عليها الإنسان في هذا السفر المضني.
إن الحياة هي رحلة شقاء وعذابات بقدر ما هي مشوار أمل وحنين وسعادة، وبين هذا وذاك يكون للذات أن تسعد وأن تشقى، أن تتقلب بين الحلم والتوقع والماثل على أرض الواقع، وفي كل الأحوال فإن الحقيقة تظلّ هي ذلك السراب الذي لا أحد يقبض عليه، إنما سيكون عليه أن يتمثله من خلال الصدق الذاتي والرغبة في أن يعيش هانئ البال، وهو ذلك الهناء الذي تتفاوت درجته ومعرفته وأنماط التعبير عنه أو عيشه بشكل أوسع.
لقد طرحت رواية «موت صغير» نمذجة الذات التي تحاول أن توصل للحقائق وأن تعرف وتجاهد وهي تعيش ما بين فكرتها كإنسان أرضي وعالمها السماوي والملكوتي، وهذا هو جوهر الكائن البشري وهو يتلمس الحقائق الوجودية الكبرى، التي حتى لو لم يمسك بها ملموسة، فهو يراها من خلال تشكيل الوعي القوي والعارف. .
بخلاف سنين عديدة، فإن البوكر هذه المرة نجحت في اختيار عميق، بغض النظر عن الملاحظات التي تطرح حول أن الرواية لم تذهب بالشكل الحفري الباطني لشخصية ابن عربي التي تظل من أكثر الشخصيات المعقدة في تاريخ الفكر الإسلامي والتصوف، وفي هذا الإطار فالرواية ظلت تحوم حول الحواف، وعلي أي حال فأن يُفتح الباب فقط لتمرير هذا الفكر الذي حورب كثيراً، فهذا لحد ذاته الانتصار.