الشعبي… اختبار مقتضيات المعركة

420«1»
الاستقالة ادب سياسي رفيع ، وان تعددت الاسباب ، فقد يرى المستقيل ان المنصب لا يتفق وتخصصه ، وقد لا يتناسب مع طموحه وتطلعاته السياسية ، وبدلا عن مشاركة منقوصة من الاولى ان يعتذر من البداية ، ولذلك عندما تتناهى للاسماع اى اشارة عن هذا الموقف نبحث عن الدوافع والمسببات ، وقد اغنانا السيد كمال عمر جهد التنقيب وهو يسهب فى الشرح والتفصيل ، فالحزب بلا مؤسسات ، لا يمكن ان اخذل الشيخ والحريات ، وموقف الحزب من الحريات مخز ، وكل تلك الافادة المبسوطة للرأي العام ، ومع ذلك من الضروري مراجعة الذاكرة بمواقف قريبة وقريبة جدا للسيد كمال عمر خلال لقائه فى قناة امدرمان يوم الاربعاء «3 مايو 2017م» ، اى قبل يومين من هذه المستجدات ، حيث قال كمال عمر «ان قيادة الحزب رأت ان المرحلة القادمة للدستور ولذلك اختارتنى للمجلس الوطنى» واجاب على إلحاح الاخ الظافر «ان موضوع الحريات فيه سعة من خلال القوانين والدستور» ، وذات كمال عمر وصف دكتور علي الحاج «بانه رجل حكيم » ، اذن لماذا تبدل موقف كمال خلال ساعات دون ان يكون هناك اى مستجدات فى الساحة السياسية ؟ ومن اين له كل هذا الهواء الساخن ؟ وهل الامر مرتبط بمتغيرات اخرى داخل الحزب ؟ ونقصد بذلك نواب الامين العام وامناء الامانات الجديدة ؟ وهل استبق كمال عمر اتجاهات د. علي الحاج لتشكيل امانة عامة جديدة؟ ام ان كل ذلك يدخل فى سياقات موضوع كمال عمر؟
«2»
لقد استبق د. علي الحاج اعلان الحكومة رسميا ، وقام من خلال اعلان اسماء الوزراء والوزارات المخصصة للحزب باحالة واقالة ثلاثة وزراء من مناصبهم ، ولكن تعجل د. علي الحاج ومحاولة ازالة شبهة انهم السبب فى تأخير التشكيل الوزارى عادت عليه ، فقد كشف الامر عن حقائق مهمة :
اولا : الافتقاد للانضباط التنظيمى والسياسي ، لان اثنين من قيادات الحزب المهمة تمردا على اداء الوظيفة الموكلة لهما من خلال لجنة وحتى من خلال انتقاء الامين العام ، لان العمل السياسي لا يتجزأ وتولى العمل فى البرلمان يعتبر احد خيارات الحزب السياسية ، ولذلك ليس بالضرورة ان يشاور الحزب احدا من عضويته ، وفى كل الاحوال اذا رأي اى عضو ان ظروفا غير منظورة لا تساعده على اداء مهامه يمكن ان يطلب اعفاءه فحسب.
ثانيا : ان هناك تيارات متعددة ، داخل المؤتمر الشعبي ، وذات اهتمامات متقاطعة ، وتمارس ضغطا داخليا وقد نجحت فى تبديل مواقف بعض اعضاء الحزب ، وهذا الامر يعتبر حالة سالبة فى الممارسة السياسية ولا تشير الى الاستعداد لتحمل المسؤولية الوطنية.
ثالثا : ان حظوظ النفس كانت جزءا فى كثير من المواقف السياسية ، والتطلعات كانت حاضرة ، وبما ان «الكيكة» اقل من ان تسع الجميع فان الاهتزاز حدث والارتباك حضر فى الواقع السياسي.
رابعا : الافتقار للشخصية الكاريزمية ، وتبين ذلك من اللغة التي يمكن وصفها بانها خالية من التقدير والاحترام فى تصريحات وتلميحات كمال عمر بما يوحي انه يقصد د. علي الحاج حيث ورد فى تصريح للجريدة امس «لم استقر بالخارج ولم اهرب من المعركة الداخلية وواجهت مواقف الحزب بثبات».
«3»
لقد شكلت المشاركة فى السلطة اختبارا للقوى السياسية ، وحدثت كثير من التفلتات والانشقاقات ، ولكن القوى الحديثة ذات انضباط اكبر وعزوف عن التكليف ، وهو الاختبار الذى فشل فيه الشعبي فى اول اختياراته واختباراته ، ويبدو ان الامر اكبر من ذلك لان التنافس فى الوظيفة والحظوة اكبر من الرؤية السياسية والمصلحة العامة ، وفى حزب اخر صغير تتحدث المصادر عن خلافات وصلت حد التشابك بالايدى ، وغير بعيد ما يجرى فى مجموعات الاتحادى الديمقراطى ، ان احزابنا بحاجة لتمارين طويلة لتلبية المعايير السياسية الكبيرة التى ارساها الحوار الوطنى.
ونصيحة اخيرة للاخ كمال عمر وقد عاركت فى السياسة مع الشيخ 17 عاما ، فان الاخوة موسى كرامة وادريس سليمان سبقوك باكثر من خمسة وعشرين عاما ، وان كنت دافعت عن الحوار الوطنى ، فانهم صابروا على الحزب ومشروعه عمرهم كله ، ود. علي كان اقرب منك للدكتور الترابي منذ خمسينات القرن الماضى ، ان من حقك اتخاذ ما تراه من مواقف ولكن لا تبخس للآخرين كسبهم ، وليس من الحكمة المطالبة بقيمة العمل الوطنى.
والله المستعان