هل يمثل شرف الدين بانقا نموذجا؟الشخصيات القومية في دائرة الاهتمامات الحزبية

mahfoozاثار إعتذار شرف الدين بانقا وزير الشؤون الهندسية الاسبق بولاية الخرطوم عن قبول عضوية البرلمان عن حزب المؤتمر الشعبي ضمن المشاركة في حكومة الوفاق الوطني التي جاءت نتاجا لمؤتمر الحوار الوطني والذي كان يهدف الى ايجاد وسيلة لجمع الصف الوطني لتحقيق الاستقرار والتنمية للبلاد ، وقد اثار ظهور بانقا في قائمة الشعبي عدة تساؤلات لدى المهتمين في الدوائر السياسية والاعلامية ، فقد عرف عن المهندس شرف الدين الذي استجاب لنداء الوطن في مطلع التسعينات وعاد من المملكة العربية السعودية حيث كان يعمل مستشارا في الحرس الوطني السعودي وكانت له علاقة مميزة ، بل ساهم بانقا في تحسين العلاقات بين السودان والسعودية وساهم في ترميم العلاقة بين البلدين ، وقد عرف عن بانقا انه جاء للوزارة في ولاية الخرطوم ك«تكنوقراط» ليؤدي عملا فنيا متعلقا بالطرق والجسور والصرف الصحي ومصارف الامطار والخطة الاسكانية ومن هذه النقطة الاخيرة اكتسب بانقا صفة القومية حيث استطاع ان يوازن في توزيع الخطة الاسكانية بين جميع أهل السودان، حيث جعل من الخرطوم سودانا مصغرا جمع بين الاعراق والثقافات ولم يجعلها في مكان واحد بل جعل من المربعات السكنية متنوعة بالقدر الذي احدث تمازجا وانصهارا وتزاوجا، ومن هنا أكتسب بانقا صفة القومية ، والتي جعلت منه من ابرز الوزراء في السودان بالرغم من انه كان وزيرا ولائيا ، ومع موجة الانفصال التي حدثت بين الاسلاميين وانقسم الناس على اثرها بين وطني وشعبي ، وكانت كلمة «شعبي» هي المفتاح لكل من يريد تصفيته وابعاده تلصق عليه كلمة شعبي ، ويبدو ان بانقا كان واحدا من ضحايا هذه الكلمة ، فتقبلها أهل الشعبي بما لشرف بانقا من محبة في نفوس ملايين من الناس الذين حصلوا على اراضي سكنية في عهده ، ولم يسارع بانقا بنفيها لانه يعرف قوميته من خلال عمله كتكنوقراط او من خلال ادائه في الوزارة التي تتطلب طبيعتها تلك القومية وكانت هذه واحدة من الاسباب التي جعلت بانقا ينجح في هذه الوزارة المهمة في ولاية الخرطوم.
وكما معروف ان كلمة شخصية قومية ظهرت في وقت متأخر بعد ان اشتد الصراع السياسي بين الاحزاب والتي كانت في الاصل هي التي تبرز الشخصيات القومية كما في السابق مثل محمد احمد المحجوب ومبارك زروق ويحيى الفضلي وغيرهم وكان هؤلاء من مواقعهم الحزبية شخصيات قومية يحترمهم اي سوداني ويقدر عطاءهم في كل المحافل التي يشاركون فيها ان كانت سياسية على المستوى الوطني او في المحافل الدولية التي كانوا فيها نجوما يشار اليهم بالبنان ، بل تفوقوا على نظرائهم من البلدان الاخرى وكانوا محط انظار الجميع .
وكانت الجبهة الاسلامية القومية في انتخابات عام 1986 م قد استعانت بشخصيات لم تكن معروفة في تاريخ الحركة الاسلامية ، ولكن استقطبتهم ودفعت بهم الى الانتخابات البرلمانية في الدوائر الجغرافية ودوائر الخريجين مثل عباس ابراهيم النور المعروف في ود مدني من الشخصيات العروبية ولكن الجبهة الاسلامية استقطبته ودفعت به في دوائر الخريجين مع هجو قسم السيد وحكمات حسن سيد احمد ، ومن بين الشخصيات التي دفعت وزير المالية المعروف والذي كبح جماح الدولار الدكتور عبد الوهاب عثمان حاج موسى ودفعت به في احدى الدوائر الجغرافية في الشمالية واحسب انها دائرة ارقو ، ومن الشخصيات التي استقطبتها الجبهة الاسلامية اللواء طيار الفاتح عابدون والذي تولى ولاية الخرطوم في حكومة 1988م التي دخلت فيها الجبهة الاسلامية شريكا ، وكانت الشخصيات العسكرية بطبيعة عملها تنأى عن المشاركات الحزبية وان كان البعض يرى ان لكل الاحزاب رجال في الجيش واستدل هؤلاء على طبيعة الانقلابات التي حدثت في عام 1969 ان الذين نفذو هذا الانقلاب من العسكريين كانوا وراءهم الحزب الشيوعي وان انقلاب 1989 كان وراءه الاسلاميون ، ولكن القوات المسلحة احتفظت بقوميتها في كل الحقب السياسية وان كانت تأثرت ببعضها سلبا مثل فترة الاحزاب الاخيرة 1986ـ1989م حيث عانت من الضعف وعدم الاهتمام رغم الضغوط الكبيرة التي تعاني منها جراء النشاط المتزايد للمتمردين في عدة مناطق في السودان، الامر الذي عجل بالتغيير الذي قادته الانقاذ واليوم القوات المسلحة تتمتع بالعناية والرعاية وهي اليوم في اعلى حالة الاستعداد والتطور والتأهيل بل اصبحت محط جيوش المنطقة والمطلوبة بشكل كبير في المناورات العسكرية ومرغوبة ضمن اي تحالف عسكري ، مثل ما كانت الكلية الحربية التي خرجت الاف الضباط من الدول الشقيقة والصديقة .
وسجلت كلمة «قومية» في كثير من المؤسسات التي يتطلب طبيعة عملها هذه القومية مثل اللجان الفنية والقومية التي تعمل في اعداد الدستور، او التي يرتبط عملها بين أكثر من طرف وغالبا ما تكون هذ الشخصيات القومية ذات خلفية قانونية وطبيعة تتسم بالاحترام والتقدير ولم يعرف عنها الميول الى جهة سياسية او مثل طبيعة عمل مفوضيات الانتخابات والاستفتاء التي تحتاج لمثل هذه الشحصيات ، وهذا الامر الذي جعل منصب وزير العدل في الحكومة قيد الاعلان سيكون شخصية قومية وهو الامر الذي ادى لغضب كمال عمر والذي كان المرشح الاوفر حظا لوزارة العدل ، فلا يمكن لرجل حزبي ومنحاز في الاصل ان يكون وزيرا للعدل .
ويمثل المشير عبد الرحمن سوار الذهب مثالا للشخصية القومية التي تحظى بكبير تقدير واحترام داخل وخارج السودان وذلك عندما اوفى بعهده وسلم السلطة بعد عام واحد للاحزاب التي فازت بالانتخابات ،وايضا برز الدكتور الجزولي دفع الله ،ومن الشخصيات التي نالت صفة القومية مولانا دفع الله الحاج يوسف رئيس القضاء الاسبق الذي شارك في العديد من لجان اعداد القونين والدساتير وكذلك مولانا دفع الله الرضي.
والحقيقة التي وضحت ان كل الاحزاب السياسية تحتاج لشخصيات قومية تحظى بالقبول العام حتى تسهم تلك الشخصيات في تصحيح مسار التجربة السياسية في السودان وتنأى بها من ضيق الحزب الى سعة السودان من خلال تلك المشاركة ، والناظر الى هذا الامر يراه متناقضا مع قومية هؤلاء الشخوص ، ولكن هي تجربة قد تكون اقرب الى تطعيم المنتخبات الرياضية ببعض النجوم في المباريات التكريمية دون ان يؤثر لون الفريق الذي شارك معه ان كان ازرق او احمر.