السودان.. ماضي وحاضر ومستقبل التسوية السياسية في دولة جنوب السودان «3»

شمس الهدى إبراهيم إدريس

سعى السودان أن تكون دولة جنوب السودان دولة مستقرة وجارة يجب الوقوف بجانبها باعتبار شعبها كان جزءاً اصيلاً من شعب السودان الكبير قبل الإنفصال. فأعلن السودان من أول يوم عند إعلان قيام الدولة الوليدة وكان مبدأه الثابت أن استقرار هذه الدولة يعني استقرار الإقليم ويجب تقديم الدعم وتسخير كل خبرات السودان في الخدمة المدنية والسياسية لكي تقف على «رجليها». ولكن القادة السياسيين وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان الحزب الحاكم هناك آثر أن يكون له موقف آخر تجاه الحكومة السودانية . فأوحى له ما أوحى أن استقرار السودان بفشل كل المخططات المرسومة لهذا البلد ، لذلك لم تلتزم حكومة دولة جنوب السودان بكل الاتفاقيات التي وقعتها مع حومة السودان. وأهمها في ذات الوقت فك الإرتباط مع قطاع الشمال الذي كان جزءاً وذراعا من أذرع الحركة الشعبية التي تقاتل الحكومة المركزية في الخرطوم. أرادت أن تحتفظ بعلاقاتها معه دون مراعاة لأي اعتبارات سياسية أو علاقة جوار أو مواثيق دولية اقليمية تحكم العلاقة بين الدول. لم تكتف بهذا القدر بل تمادت في منهجها والقبول والمحاولة والتصدر والدعم لأي عمل من شأنه أن يصب في زعزعة الاستقرار السياسي والأمني في السودان. فكانت جوبا قبلة لكل من يعارض الحكومة السودانية حتى وصل الأمر أن تكون دولة جنوب السودان مأوى وراعية ومنصة إنطلاق للحركات السودانية المتمردة على الحكومة السودانية ، بعد أن هُزمت تلك الحركات في الميدان وتفكك النظام الليبي وسقوط القذافي الداعم الأساسي للحركات المتمردة على الحكومة السودانية. ورغماً عن ذلك عندما اشتعلت الحرب الأهلية في دولة جنوب السودان التي بدأت بين الفرقاء السياسيين، وتطورت إلى حرب بين القبائل تحرك السودان مع المجتمع الدولي والاتحاد الافريقي والمنظمات والمجموعات الإقليمية كالإيقاد والسيسا ومنظمة منطقة البحيرات العظمى لمعالجة قضية دولة جنوب السودان وإيقاف الحرب فيها، إيماناً منه أن الحوار والحل السلمي هو أساس الاستقرار وإن الحرب وإن طال أمدها لن تحقق إلا الدمار، والمتضرر الوحيد هو الشعب. وأن السودان من أكثر الدول الإقليمية تأهيلاً لدعم الاستقرار السياسي والأمني في دولة جنوب السودان والقيادة السياسية والشعب هناك يعلمان ذلك جيداً ومقتنعون به، ولكنهم لايريدون أن لا ينسب ذلك للسودان لأسباب تعلمها القيادة السياسية في جوبا. وما يؤكد موقف السودان الثابت تجاه الشعب الجنوبي واستقرار الوضع فيه هبته لدعم شعب دولة الجنوب العالق على الحدود السودانية مع دولة جنوب السودان ، حيث وفرت لهم المأوى والغذاء والكساء والعلاج والحماية ، علاوة على تسيير قوافل الدعم عن طريق البر للولايات الحدودية التي تشتعل فيها الحرب بين المعارضة والحكومة المركزية في جوبا. في وقت نلاحظ فيه أن حكومة جوبا منهمكة في تقديم الدعم العسكري والدعم اللوجستي للحركات السودانية المتمردة التي تحارب بجانب الحكومة في جوبا كمرتزقة ضد المعارضة الجنوبية.
في الوقت الذي يعمل المجتمع الدولي والأطراف والإقليمية والسعى الجاد للتسوية السياسية في الإقليم وخاصة في دولة جنوب السودان ، تظهر جوبا كداعم الحركات المتمردة في السودان في منطقة جنوب كردفان والنيل الأزرق ، وتوفير العتاد لشن الهجمات على المواطنين العزل ونهب ممتلكاتهم في تلك المناطق. كما أنها تدخلت تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي للسودان باستدعاء المتشاكسين في قطاع الشمال لكي توحد كلمتهم وتنزع فتيل الخلافات بينهم حتى لا تفقد عنصرا من عناصر زعزعة الاستقرار في السودان وأحد مصادر دعمها لما يقدمه بنك جبال النوبة من دعم لها . والجدير بالذكر أن بنك جبال النوبة هو بنك أنشئ لتطوير منطقة جبال النوب والمساهمون فيه هم أبناء جبال النوبة ولكنه مُستغل من قبل أشخاص لا علاقة لهم بجبال النوبة ، وتوجد رئاسته في جوبا ولة أفرع في المدن بدولة جنوب السودان ، له فرع بكادقلي لجلب أموال أبناء الجبال وتسخيرها لصالح منفعة ذاتية لقادة قطاع الشمال وتغذية العملية الحربية ضدهم . يبدو أن جوبا نجحت في بقاء قطاع الشمال متمترساً في اطالة أمد معاناة أبناء جبال النوبة واستمرار الحرب التي حصدت عدداً من خيرة شباب ابناء النوبة واهدرت فرصاً للتنمية المنطقة في أمس الحاجة لها.
أكد تدخل جوبا في لم شمل قطاع الشمال يأتي في الابقاء على مصالحها من وجود القطاع وأن يكون أبناء النوبة هم الوقود لهذا الحريق الذي تدعمه جوبا ، وتضع العراقيل أمام عجلة المفاوضات بين الحكومة السودانية والقطاع للتسوية السياسية في المنطقتين. خاصة أن القطاع قد أعلن تأجيل المفاوضات إلى يوليو القادم ، مما يؤكد أن قطاع الشمال وجوبا لايريدان التوصل لاستقرار في السودان أسوة بعدم الاستقرار في دولة جنوب السودان بسبب تعنت القيادة السياسية هناك.
وتحاول أن يكون السودان أيضاً على هذا المنوال. ولكن ظل السودان هو ماضي التسوية السياسية في المنطقة بتوقيعه على اتفاق السلام التي أعطت شعب الجنوب حق تقرير المصير وهو في أقوى حالاته ، وحاضر التسوية السياسية في دولة جنوب السودان بما يقوم به من أدوار مشهودة على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وسيظل هو مستقبل التسوية السياسية في دولة جنوب السودان لما يتمتع به من خبرة واستقرار سياسي ودور ومكانة اقليمية ودولية. ويبقى السؤال هل يفهم القادة والسياسيون في دولة جنوب السودان ذلك؟.