فوبيا الخصوصية المزعومة

تدوين: نبأ محي الدين

* للمرة الرابعة أو يزيد يهلع مستخدمو موقع فيسبوك بخصوص حماية خصوصيتهم -المُزمع انتهاكها- مِن قبل سياسات وضعها مُصمم الموقع ذاته، وهو الذي ساهم، وإن لم يكن بشخصه، بشكل كبير في إعادة تعريف مفهوم الحرية الشخصية وتمليكها للمستخدم على مستويات عديدة، التي أسهمت في الحراك الاقتصادي والسياسي الكبير في العالم، بل تعدت ذلك التأثير لتسبر غور النفس البشرية، فاستنطقت التعبير، وكشفت عما يعتمل في عقل المجتمع، بمختلف الأحداث وميكانيكية التفاعل معها.
منذ أن انتشر البيان المضروب، في تقديري، وأنا أفكر في أمرين متعلقان بسايكولوجية المستخدم. يتضمن البيان كلاماً يفيد بأن للموقع حق استخدام صورك وبياناتك….الخ، ولم يقل أنه سينشر صندوق رسائلك، الغريب في الأمر والذي يدعو للتفكير، أن صورك وبياناتك وما تقوم به من نشاط، هو أمر متاح ومرئي للجميع، إذاً لما يهلع شخص ما، إذا ما تم جمع البيانات واستخدامها من قبل الجهة التي تدير الموقع؟ وبالطبع لن تنشر ما تحصلت عليه من نتائج في دائرة معارفك وأصدقائك، ولن تتكبد عناء معرفة أحوال وعلاقات وأخلاقيات المستخدمين لتخريبها وتشويه صورتها مثلاً! وهو على أي حال أمر لا يحتاج إخطار المستخدمين، وتقوم به إدارة الفيسبوك منذ تأسيسه لأسباب سأذكرها لاحقاً.
ما خلصت إليه، أن الإنسان الحالي وبعد أن تعامل مع شكل من أشكال إتاحة التعبير، الذي لم يكن متاحاً من قبل، ما زال مغلقاً على ذاته، لا يريد الانفتاح عليها، وتمثل له أفكاره وخياراته هاجساً إذا أحس أنها مرصودة من جهة ما، ولو انتفت كل الأسباب المنطقية فيما يتعلق بالموضوع الأمني، أو انتهاك الخصوصيات كما يقال.
أمر آخر لا يقل أهمية، بالرغم من كونه مؤشر إيجابي ، لا يخلو من سلبية، وإن كنتُ أشك في صحة البيان في الأصل، يكمن الأمر في بناء وتعزيز فكرة الاحتجاج على السياسات، أيٍا كانت الجهة التي سنتها، وهي هنا، نفس الإدارة التي يعلم المستخدم أنها من اخترعت الموقع، وهو مؤشر على أن الفرد الحالي يمارس الاحتجاج كضرورة وحق أصيل، متجاوزاً عقدة المضطر، ولا يولي اهتماماً لفكرة أن هذه الجهة يمكن أن تقصده وتقاضيه أو أقله تعطل حسابه. شيئاً آخر بدا جلياً في الخطاب، وهو جدوى الاحتجاج الجمعي، باستجابة الجهات المُحتج ضدها، والذي يقتضيه نشر البيان على نطاق واسع ودعوة أصدقائك ومعارفك، وهو إن دل، فإنما يدل على إكساب وليس اكتساب المجتمع المعرفي «مجتمع المعلومات» فكرة التعاضد من أجل الرفض، والتداول الاحتجاجي الذي يمكن أن يغير من أي سياسة، وهو أمر كان وظل فاعلاً في أحداث القرن، والتعليق عليها، ومتابعتها، والتدخل فيها من قبل المجتمع الإنساني ككل، الأمر أشبه ما يكون ببادرة التحرر من السمات المميزة للمجتمعات، والانصهار التام تحت قيم موحِدة يتم تمريرها للأفراد بصيغ مختلفة «كالبيان الاحتجاجي مثلاً» كتجلي للعولمة السوشيو-ثقافية في بعد بعيد، يحرك المجتمعات نحو أفعال معينة من شأنها تشكيل المستقبل بكل جوانبه.
الذي لاحظته أن للفيسبوك هدفين رئيسيين منذ تأسيسه وقد تشكلا بالتدرج، دون الخوض في تبعيته للاستخبارات الأمريكية، ودون التطرق لدوره في الحراك السياسي في العالم، أعتقد أن هدفه الأول هو اكتشاف الانسان، الذي هو الآن مركز التغيير في كل شيء، وهو أمر لم يكن متاحاً في المجتمعات من قبل، وبالتعرف على أفكار ورغبات الإنسان عن كثب يمكن أن يُقاد الفرد أم المجتمع نحو أي حراك سياسي واجتماعي وخلافه، لكنه هدف مرحلي، لأنه من متطلبات القرن الجديد الذي يريد أن يتشكل في عقده الأول، تحت مظلة أحداث ضخمة، أبرزها الأزمات المالية والحروب. أما الهدف البعيد المدى، هو إعداد الإنسان للمرحلة القادمة من مراحل مجتمع المعلومات، التي تقضي بتشكيل الإنسان وإعادة صياغته من جديد، فمثّل الفيسبوك وسيطاً أولياً مُهيئاً للمرحلة القادمة من خلال قوالبه وطرق استخدامه.
أما الهدف الثاني الرئيس، فيندرج تحت وما يمكن أن يعرف بالاقتصاد السلوكي، الذي يحلل رغبات الفرد وميوله، ويعتمد على معطيات معينة من عمر ونوع وعرق، وهو إن لم يبدو نظرياً دقيقاً، لأن الفرد الحالي تحيطه الآنية في أفعاله واختياراته ورغباته، لكنه معلوم أن الفيسبوك، ولاحقاً كل مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد مالياً على الشركات الكبيرة، وعلى الإعلان تحديداً، والذي يتسنى بتقديم بيانات أشبه بدراسات جدوى عن المستخدمين بمختلف مناطقهم في العالم، ويسهم بصورة مباشرة في «رسملة» الاقتصاد العالمي بطريقة ما.
الفيسبوك أحد أدوات التغيير الجذري الحالية، ويعتبر نقلة كبيرة في التاريخ الإنساني، كما يعد أكثر الأدوات التي يستخدمها واضعو السياسات العالمية فاعلية ، عليه يجب أن يتم التعامل معه بصورة أكثر جدية، ودراسته، وقياس مدى تأثيره على المجتمعات والأفراد لتتضح الرؤى فيما يتعلق بمصير البشرية الاجتماعي والثقافي الذي من شأنه تشكيل جوانب ومقومات الحياة الأخرى للفرد وللمجتمع