ندوة العلامة عبدالله الطيب تحيي ذكرى الفيتوري

الدكتور يعقوب : هذه المرحلة هي الأكثر تعقيداً حيث تشمل القصيدة على أكثر من بحر

أسامة تاج السر : الفيتوري مولع بالنعت والصفة بصورة ظاهرة وهي بمثابة التكنيك الذي ترتكز حوله الصورة والفكرة

حسن موسى
احتفت ندوة العلامة عبد الله الطيب بقاعة الشارقة بالخرطوم وبرعاية « زين « بذكرى الشاعر الراحل محمد مفتاح الفيتوري حيث قدم فيها عدد من الكتاب والباحثين مجموعة من الآراء النقدية والشهادات حول تجربته الإبداعية وصاحب ذلك قراءات شعرية من قصائده وذلك وسط حضور كبير من المهتمين .
وبداية تحدث الدكتور يعقوب عبدالله الشيخ عن الإطار الموسيقي في شعر الفيتوري مركزاً على « الأوزان والإيقاع والقافية في شعر الفيتوري « حيث قسم ورقته الى عدة محاور من بينها التزم الشاعر في المرحلة الأولى بالشكل الإيقاعي القديم الموروث ، وقال ان هذه المرحلة تضم ثماني عشرة قصيدة وتقع في الثلاثة دواوين الأولى ، بينما تمثل المرحلة الثانية وهي التي استخدم فيها الشاعر البحور الصافية ويقصد بالصافية ، أن الشاعر استخدم في القصيدة الواحدة بحراً شعرياً واحداً ، سواء أكان من البحور ذات التفعيلة الواحدة أو التفعيلتين ، ونجد أن لهذه المرحلة الغلبة ، اذ تمثل مئة وأربع قصائد وتشمل الدواوين الثمانية ، وأضاف بقوله ان كثيراً من قصائد هذه المرحلة التي قطعت فيها بعض الأبيات تقطيعاً مختلفاً لكي تأخذ في الكتابة شكل الشعر الجديد كما في قصيدته « الى امرأة عاشقة » .
أما المرحلة الثالثة من شعر الفيتوري يرى الدكتور يعقوب هي الأكثر تعقيداً وتشمل القصائد التي استخدم فيها الشاعر أكثر من بحر في القصيدة الواحدة ، سواء أكان البحر الواحد يشمل عدة مقاطع أو مقطعاً واحداً ، أو جزءاً من مقطع في القصيدة ، وأكد أن هذه المرحلة تضم سبعاً وثلاثين قصيدة تقع في كل دواوين الفيتوري عدا ديوان « سقوط دبشليم « وعضد الدكتور يعقوب حديثه بمجموعة من النماذج من شعر الفيتوري .
وفي السياق ذاته تحدث الأستاذ الناقد أبوعاقلة ادريس عن « التذوق الفني في تجربة الفيتوري « فأكد أن تجربة الفيتوري تعتبر رحلة طويلة فهو شاعر الدهاليز ، الأقبية والقبول والأبواب والتعاويز والعاج والزعفران ، ووصفها بأنها ليست رحلة حقبة زمنية عابرة بل هي رحلة بعيدة وطويلة فيها أزمان وأزمان طاقات من لمسة الحزن وأحاسيس مشوبة بقضاريف الغصة من الغناء العظيم يجرب ويحذف ويضيف الى معاناته الذاتية .
وذهب أبوعاقلة إلى أن الفيتوري لا يلبث أن يمزق عن جسده ما أنهكه لينطلق انطلاقة المجذوب مغنياً للخلاص ، لافتاً إلى تطور تجربته الأولى من خلال إحتواء جريدة كردفان عام 1955م لعدد من قصائده ونشرها ، هذا إلى جانب إصداره لديوان «أغاني افريقيا « .
آن لهذا الأسود المنزوي
أن يتحدى الورى
أن يتحدى الفناء
الصراع بين الخير والشر ، بين المستعبد والمستعبد وبين مستغل ومستغل
لم أكره الأبيض
لكنني أكره منه
الصفحة المنعمة
فلونه لون قلبي
وزعم أبوعاقلة أن الزمن الفني عند الفيتوري إرتكز على مداخل تخلق فيها الفن عنده تخلق الجنين في البدء، مشيراً الى « أغاني افريقيا ، عاشق من إفريقيا ، وأذكريني يا إفريقيا « .
وذهبت ورقة الأستاذ أبوعاقلة إدريس إلى تطرقها لصوفية الفيتوري عبر سقوط أورشليم ودرويش متجول ، وذكر بأن لجوءه اليها ليس لجوءاً طارئاً أو جديداً أو مفتعلاً
من انا ابتسمي
لم يحن بعد وقت البكاء
وقال ان الفيتوري إنطلق متكئاً على ارث الشرق العظيم وفتوحاته الباهرة ناحتاً واقعاً فنياً موازياً وهو يغني للثورة ومنطلقاً من الفتوحات الاسلامية مستدعياً الناصر صلاح الدين وثائراً مع عمر المختار قلب الصحراء ، ويقتحم التاريخ يحكمه نفس ملحمي أصيل حيث الأمس واليوم والغد يكاد نفسه الصوفي يذوب ويتلاشى ويبلغ مراحل نضجه الابداعي ، صاعدا على سلالم الفن للوصول الى أعماق الأعماق في التجربة الانسانية والبحث عن جديدٍ لها .
وركزت ورقة الشاعر أسامة تاج السر في تحليلها النقدي على ديوان الفيتوري « شرق الشمس غرب القمر « وهي دراسة حول توظيف الصفة والمضاف اليه في تناسل الصور عند الفيتوري، فقال النعت والمضاف اليه يقومان بوظيفة التخصيص والتعريف ، ويحتاجهما الاسم لتعيينه وتمييزه عن غيره ، تحتاجهما النكرة ولا تستغني عنهما المعرفة ، وذكر أن الذي يتتبع شعر الفيتوري مشيراً إلى ديوان « شرق الشمس غرب القمر « يكتشف أن الفيتوري مولع بالنعت والصفة بصورة ظاهرة وهي بمثابة التكنيك الذي ترتكز حوله الصورة والفكرة عنده .
ويرى أسامة أن عنوان الديوان يحيط بالكون كله والفيتوري من خلال الاضافة يزيد حيزاً مكانياً للسماء لا تدركه العين وقد اختار السماء والأفق عنوانا يحدق فيهما ومن خلالهما يرسم لنا صورة الديوان
ليس في الياسمين غير البكاء / المتدارك فأعلن
الملائكة تتعانق خاشعة في « مراياي » ذائبة في « شموع التراتيل »
مائدة من « بنفسج روحي »
وخلص الأستاذ أسامة في ورقته إلى أن الصفحة الأولى من الديوان تحوي عشر صفات كان الموصوف نكرة في نصفها ومعرفة في نصفها الآخر واثنتي عشرة اضافة بينها ثلاث اضافات مركبة وقد جاء المضاف اليه معرفة في كل اضافة نصف الاضافات الى الضمير ونصفها الآخر الى اسم ظاهر نجد ضمير المتكلم في بنفسج روحي ، مراياي حولي ، أعراسي ، تحت نافذتي ، اما الاضافة التي جاءت بعيدا عن المتكلم فتركزت حول الاسم الظاهر وضمير الغائب ، وقد جاءت الصفة معرفة في ثلاثة مواضع أعراسه البربرية ، الغابة الاستوائية فالأعراس البربرية تناسب الغابة الاستوائية في الاضطراب والرهبة والبدائية حسب الصورة النمطية للبربرية ولكي تكتمل هذه الصورة لابد من موت القمر فكانت الصورة الثالثة هي صورة القمر الميت .
وتخلل الندوة تقديم عدد من القراءات الشعرية من أشعار الفيتوري قدمها الأستاذ الشاعر عماد محمد بابكر ، هذا إلى جانب أن الندوة حظيت بالعديد من المداخلات قدمها الدكتور الصديق عمر الصديق ، والدكتور سعد عبدالقادر والشاعر عالم عباس وآخرون مما شكل هذا الأمر إضافة كبيرة لتجربة الشاعر الراحل محمد مفتاح الفيتوري الإبداعية والأدبية .