العمل الإبداعي

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

في تعريف العمل الإبداعي يقف المرء أمام عدة حقائق، أنه عملية مفتوحة ومتغيرة، سواء من حيث الطريقة التي تتشكل بها أو التلقي الذي يستقبل به من قبل القارئ أو المشاهد أو المستمع، حسب نوع العمل الفني.
والعمل الإبداعي يكتسب سحره وقوته ومشهديته في قدرته على تجاوز نفسه من خلال التأويل المستمر، إذ لا يقف عند معنى حصري أو مجاز محدد، فما يحده هو الذهن البشري في قدرته على التخيل.
وهكذا بمثلما يبدأ العمل الأدبي أو الفني بالتخيل الجيّد والوثاب فهو ينتهي في تفسيره ومحاولة فهمه بالطريقة نفسها، فكلما ترقى التخييل أصبح القارئ أو المستقبل للعمل قادراً على الولوج إلى مساحات لم يكن قد استقبلها من قبل.
والعملية الإبداعية عموما هي مسألة معقدة، يخضع تفسيرها من عصر لآخر للاعتبارات الثقافية والنفسانية والمركبات الاجتماعية التي يتشكل على نحوها العصر أو الزمن المعين.
لهذا فإن فهم طبيعة نص ما أو لوحة أو موسيقى ولحن، تقتضي الرجوع إلى صورة وسياق العصر المعين الذي أنتج فيه النص أو العمل الفني لكي يتمكن الباحث أو الدارس من تفكيكه بشكل يقترب به من «حقيقته» النسبية، إذ أن حقائق الأعمال الإبداعية تظل مطلقة وغير مقبوض عليها أبداً.
لكن في الوقت نفسه، يمكن أن يُفسَّر العمل الفني والإبداعي خارج سياق زمنه وفق أدوات أكثر عصرية وحداثة، وهذا لا يعني سلبه المعنى الأول، بقدر ما يقود إلى عملية إعادة إنتاجه من جديد بالدقة والوضوح التي تمكنه من الانسجام مع طبيعة عصره وفاعليته المطلوبة لثقافة ومجتمع جديدين.
ولأن أي عمل فني هو تشابك معقد ونسيج من المعارف والثقافات والأحاسيس النفسية والمجتمعية، فإن النتائج لابد أن تروي قصة وسرديات ومشهديات كل ذلك ووفق أكثر من صورة وإطار، بحيث يمكن للوحة على سبيل المثال أن تقص لنا سيراً متعددة ومتداخلة ولانهائية.
ويعكس هذا عمق الفنون ودورها الجوهري في المجتمعات الإنسانية، إذ أنها بهذا الشكل تمثل بدرجة ملموسة البناء المركزي للوعي، المرئي واللامرئي، وتختزن الجمالي وما وراءه، كذلك حيوية وطاقة الوعي وما وراءه من أشكال التماهي مع فكرة العالم وجوهره ورغبة الكائن في إدراكه بشكل أفضل وأمثل.
إن الفنون قد تكون إلى اليوم ليست بذات معنى جلي من حيث أهدافها أو رسالتها وتثير إرباك الباحثين والمهتمين والممارسين، بحيث تبدو عملياً غامضة، غير أنها في الآن ذاته، تمثل واحدة من أكثر اللوازم الإنسانية للحضارة في تلمس المستقبل بمثلما تمكن من وعي التاريخ كذلك لأجل المستقبل أيضا. وهي في مجال دراستها تظل مفتوحة وقادرة على مدّنا بالرموز والإيحاءات والسرديات اللامتناهية التي تجعلنا نتحمل فكرة وجودنا.