كريمات البشرة… الانتحار مع سبق الإصرار


16-08-2016-05-4
ظل المرضى وذووهم لوقت طويل يشكون من ندرة في بعض انواع الأدوية، وعلى مستوى السياسات النقدية لجأ بنك السودان لتقسيم الأدوية الى أدوية أساسية تدعمها الحكومة وأخرى غير أساسية وتلك توجهات لا يحسها المواطن وفق افادات العديد من المختصين، وكثيرا ما تجد المواطن البسيط يحمل روشتة دواء منقذ للحياة وهو يجوب الصيدليات من واحدة لاخرى فلا يجد ضالته، واللافت توفر كميات من كريمات التفتيح وادوات التجميل المتراصة على أرفف الصيدليات حتى باتت تمثل الغالبية العظمى لمحتويات الصيدلية إن لم تكن نصف المحتوى. وهذه الكريمات تصنف ضمن الأدوية غير الاساسية غير انه باعتراف الصيادلة الذين تحدثوا لـ«الصحافة» ان الحاجة الطبية لاستخدامات تلك الكريمات ضئيلة جدا ونادرا ما يحمل مريض وصفة طبية تحمل اسماء تلك الكريمات.. والسؤال الذي يتبادر للمرء هو اذا كانت الحاجة الطبية لتلك الكريمات بهذه الضآلة فما هو السبب في وجود هذا الكم من الكريمات على ارفف الصيدليات؟

تحقيق: أمنية عبدالرحيم

جولة «الصحافة» تكشف المثير
الجولة التي قامت بها «الصحافة» وسط المحال التجارية بالخرطوم كشفت عن وجود منتجات تستخدم لاغراض التبييض تتفاوت اعدادها ما بين 70ـ90 منتجا فيما تتراوح اسعارها ما بين 50 الى 125 جنيها سودانيا للعبوة الواحدة. وقال صاحب احد المحال بوسط الخرطوم: إن عددا كبيرا من كريمات التبييض تدخل البلاد عن طريق التهريب من دول مجاورة، واكد وجود اقبال واسع على هذه المنتجات من قبل الفتيات كما يطلبها الشباب ايضا ولكن بنسب اقل بكثير من الجنس اللطيف.
رئيس المجلس القومي للادوية والسموم قال في حديث تناولته الوسائط الاعلامية عن فتح بلاغات ضد محال تجارية بعد حظر أكثر من «30» كريماً تستخدم كمستحضرات تجميل لتبييض البشرة وسبب حظرها يعود لعدم مطابقتها للمواصفات وكونها غير آمنة الاستخدام اذ تنعكس سلبا على صحة مستخدميها، وجاء قرار الحظر بحسب افادة رئيس المجلس القومي للادوية والسموم نتيجة احتواء الكريمات المحظورة على مواد يمنع استخدامها فى مستحضرات التجميل كمادة الزئبق والاستيرويد، واكد المجلس ان تلك المواد تتسبب فى حدوث امراض خطيرة كسرطان الجلد والفشل الكلوي وعدد من الامراض الخطيرة التي يسببها استخدام تلك الكريمات برأي المجلس.
الملاحظ أن المحال التجارية التي فتحت ضدها البلاغات ليست الجهة الوحيدة التي توزع تلك الكريمات بل ان عددا من الصيدليات التي تعمل كمنفذ صحي معروف توزع تلك الكريمات سيما أن وزارة الصحة كانت قد شكت مرارا وتكرارا من بيع المستهلكات الطبية كالكريمات من غير وصفات طبية خاصة ان تلك الكريمات مسجلة فى المجلس القومي للادوية والسموم كمستحضرات ذات قيمة علاجية إلا أنه عندما تستخدم بعيدا عن الوصف الطبي المحدد تكون ضارة اذ تحتوي على مواد سامة تمثل مشكلات خاصة وسط البنات في ظل الهوس والتسابق نحو الحصول على بشرة بيضاء لتكون مخرجات استخدامها امراضا جلدية تصل تكلفة علاجها الى اضعاف ما يصرف على شراء الكريمات وهي بذلك تمثل اهداراً لاقتصاديات الجهات الصحية.
ما يثير الدهشة انه وبرغم القرار الحاسم الا ان مستحضرات التجميل لا تزال تحتفظ بموقعها داخل الصيدليات في ظل الاقبال المتزايد عليها.
ليست خصما
16-08-2016-05-5رئيس اتحاد الصيادلة دكتور صلاح الدين إبراهيم قال في حديثه لـ«الصحافة» ان السلطات تعمل جاهدة على توفير عملات صعبة لاستيراد الدولاء ولاحظت منذ وقت مبكر أن العملة الصعبة تستغل احيانا في استيراد أدوية غير ذات ضرورة ولكنها مرغوبة في الأسواق مثل الكريمات فما كان من السلطات إلا أن منعت استيرادها لتوفر بذلك عملات اجنبية تصرف على استيراد ادوية حقيقية ومطلوبة، غير ان محدثي استدرك قائلا بان الكريمات لا تمثل خصما على فاتورة الدواء باعتبار أنها تدخل عن طريق التهريب واسهم ضعف الرقابة في تدفقها خاصة ان السودان يعتبر بلدا مفتوحا، مطالبا بتفعيل قرارات السلطات وسد الطرق امام تهريب ذلك الكم من الكريمات.
وتشير الارقام وفقا للتقرير السنوي لوزارة الصحة للعام 2015 م ، في مجال مكافحة التهريب فقد تم ضبط 15 الف كرتونة مواد تجميل كما تضمن التقرير ذاته للعام 2014 م ، فقد وفدت للمؤسسات العلاجية اكثر من «20852» حالة تشوه نتيجة لاستخدام الكريمات، وفي السياق ذاته ورد تقرير منظمة الصحة العالمية الذي يفيد بان الكريمات ذاتها تؤدي لترسب مادة الميلانين داخل بعض الانسجة مثل الغضاريف والمفاصل بالاضافة لتسببها في الاصابة بحساسية الجلد في بعض الحالات لذلك منعت منظمة الاغذية والادوية الامريكية استخدام الزئبق في كريمات التجميل ومستحضراته منذ اوائل السبعينات.
الكريمات وتدمير خلايا الاجنة:
الحصول على بشرة فاتحة عن طريق استخدام كريمات التبييض تصحبه مخاطر صحية لا يمكن معالجتها في كثير من الاحيان.. بهذه العبارات الصادمة افتتح اختصاصي الامراض الجلدية بمستشفى الخرطوم يوسف سنهوري في حديثه ل« الصحافة»، واضاف: «معظم الحالات التي تأتي للمستشفى بمضاعفات سببها استخدام كريمات تبييض البشرة في وقت تكون فيه تلك الحالات قد تجاوزت مرحلة العلاج، والمعروف أن صبغة الميلانين التي تعطي اللون الاسمر، وظيفتها حماية البشرة من الاشعة فوق البنفسجية وبالمقابل فان كريمات التبييض وظيفتها ازالة هذه الصبغة من البشرة ومن ثم تصبح دون مقاومة ما يجعل البشرة عرضه للاصابة بمرض سرطان الجلد. وقال سنهوري: ان مستحضرات التبييض التي يدخل في تركيبها الزئبق هي الاكثر خطورة على صحة مستخدميها، فالزئبق مادة سامة ولا يستخدم طبيا ومعظم الكريمات التي يدخل في تصنيعها مجهولة المصدر. وافاد بان الزئبق يؤثر على الجهاز العصبي وتتضاعف خطورته في حال استخدامه من قبل النساء الحوامل اذ يتسرب الى الجنين وربما يتسبب في اتلاف دماغه وتدمير كبده.
16-08-2016-05-1وطبقا لسنهوري فان مادة الكورتزون التي تدخل في تصنيع كريمات البشرة ذات آثار جانبية ومردود خطير ويستخدم الكورتزون طبيا بنسب معينة يعطى في شكل حقن وحبوب لخفض المناعة خاصة لدى الاشخاص الذين تجرى لهم عمليات زراعة الاعضاء وبالتالي يخفض مستوى المناعة عند الاشخاص العاديين وله آثار جانبية اخرى اذ يرفع الضغط ويسبب مرض السكر وهشاشة العظام كما يخفض مستوى المناعة في الجلد ما يؤدي لظهور البثور بجانب مرض القوبة ويتسبب ايضا في ازالة طبقات من البشرة وتوسيع الشعيرات الدموية وخفض مادة الكولاجين الامر الذي يتسبب في مرض الشقريب.
«80739» حالة بمستشفى الخرطوم:
وطبقا للتقرير السنوي لمركز الاحصاء بمستشفى الخرطوم للامراض الجلدية والتناسلية فان المشفى استقبل «80739» حالة مرضية خلال العام الماضي وقال اطباء بالمستشفى ان هناك تزايدا في الامراض الجلدية الناجمة عن استخدام عقاقير او مستحضرات تبييض البشرة. وقال طبيب متخصص في علاج حالات التشوهات الناتجة عن استخدام كريمات تبييض البشرة بالمستشفى التقت به «الصحافة» ان «20852» حالة تم رصدها نتيجة استخدام كريمات التبييض بما يعادل نسبة 258 من جملة الحالات التي يستقبلها المشفى.
ورجح دكتور سنهوري ان يكون عدد الحالات اكبر من الرقم المذكور نظرا لاخفاء بعض المترددين على المستشفى لاسباب قصور التدقيق في التشخيص من قبل بعض الاطباء.
مسؤول في مركز الاحصاء بمستشفى الخرطوم للامراض الجلدية والتناسلية قال «للصحافة»: ان هناك تزايدا في عدد الحالات في ستة امراض جلدية يرجح ان احد مسبباتها كريمات التبييض التي تحتوي على مواد الزئبق والكورتيزون والهيدروكينون.
وطبقا لتقرير مركز الاحصاء السنوي الذي اطلعت عليه «الصحافة» فقد بلغ عدد الاصابات بمرض الحساسية الجلدية خلال العام 2014، «8504» حالة فيما ارتفع عدد الاصابات بمرض الاكزيما الى 5926 حالة وتم رصد 569 حالة مصابة باسوداد الجلد وبلغ عدد الاصابات بمرض البهاق 1989 حالة و3525 حالة حب شباب بينما سجل المشفى 3390 حالة حساسية ضد العقار.
ولحماية المستهلك رأي:
جمعية حماية المستهلك قالت على لسان امينها العام دكتور ياسر ميرغني في حديث «للصحافة» ان الحكومة السودانية تصرف اكثر من نصف مليون دولار سنويا على استيراد منتجات تبييض البشرة. وابلغ الامين العام لجمعية حماية المستهلك ياسر ميرغني ان الجمعية تطالب بحظر جميع منتجات تبييض البشرة لان هنالك حاجة ماسة لهذه المبالغ لتوفير الادوية المنقذة للحياة والادوية الاساسية، واضاف ميرغني ان عددا من البلاغات دونت في نيابة المستهلك وتم بموجبها مصادرة اكثر من 7 منتجات للتجميل، وطالب نيابة المستهلك بتنفيذ حملات ميدانية على المحلات لضبط الكريمات والمنتجات.
رأي اهل الاختصاص:
أختصاصي الامراض الجلدية والتناسلية الدكتور محمد نورين قال في تصريحات صحفية معلقا على الاضرار الناجمة عن استعمال الكريمات لتغيير لون البشرة الى ابيض: ان هنالك بعض الأعراض الموضعية مثل ضمور الجلد، توسع الأوعية الدموية الدقيقة، حب الشباب، زيادة نمو الشعر، وقلة الصبغة ومركبات الكورتيزون الموضعية تؤثر على اجهزة الجسم المختلفة مسببة العديد من الأمراض كـ«زيادة نسبة السكر في الدم»، «زيادة ضغط الدم»، «هشاشة العظام» والسمنة، وعن أضرار الزئبق تحدث الدكتور محمد قائلا انه يؤدي الى تفتيح البشرة لكنه معدن سام ويمكنه الوصول إلى الخلايا العصبية بسهولة فيؤدي لتلف تلك الخلايا بالاضافة الى الفشل الكلوي والكبد والضعف والخمول وفقدان الذاكرة والعمى والعديد من الأضرار العصبية، كما يمكن أن يؤدي الى الأمراض العقلية ويمكن للزئبق أن ينتقل الى الجنين عن طريق المشيمة ما يؤدي إلى تلف بمخ الجنين، أما كريمات الكورتيزون القوية مثل البيتنوفت والديرموفت فلا تستخدم على الوجه اطلاقًا وتسبب ضمور الجلد والشقريب الذي يصعب علاجه حتى لو كان بالليزر، فنسبة علاجه ضعيفة.
اختلاف معايير الجمال:
الباحثة الاجتماعية جميلة الجميعابي قالت «للصحافة» إن المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف معايير الجمال بسبب الانفتاح الإعلامي وسطوة الإعلانات وذوبان الحواجز وتحول المجتمع إلى نمط الاستهلاك الأمر الذي أدى إلى حالة استلاب على كل المستويات وتبني معايير ومرجعيات جمالية مختلفة وهذا ينسحب على أنماط أخرى حتى على مستوى الأغذية والأزياء إضافة إلى النهم الشديد لكسب المال بأي وسيلة من جانب الجهات التي تنتج وتوزع تلك المنتجات والقدرة العالية على الترويج وانه يقابل كل ذلك سلبية كاملة من الجهات المنوط بها الحماية والتدقيق وعدم السماح بتدفق المنتجات غير المجازة من وزارة الصحة. وقالت ان الحلول تكمن في وضع الضوابط عند دخول هذه المنتجات ونشر وتكثيف الاعلام عن الآثار المؤذية لتلك المنتجات بالصور والاعترافات من جانب المتأثرين والتركيز على المستحضرات الطبيعية للتنعيم والتزيين لأنها نتاج خبرات طويلة مأمونة الجانب.
نواصل