المسكوت عنه… في العلاقات السودانية المصرية «5»

461لماذا تبدو كل نهضة فى السودان نكسة محتملة لمصر فى أعين صانعى السياسات فى مصر؟ متى نشأ ذلك الوضع وماهى أسبابه؟ هل يصح أن نقول إن مياه النيل التى هى الواصل بين البلدين هى الفاصل بينهما؟ هل الدور الذى تتصوره صفوة مصر للسودان أنه البواب الحارس للنيل فى بوابته الجنوبية؟ لماذا صار المسعى السودانى للنهضة الزراعية هو«البعبع» الذى يخشاه الباشاوات الحكام فى مصر؟ سؤالات مشروع ترديدها، ومشروع أيضا بل مطلوب مقاربة الإجابة عليها ولو بالظن الراجح، فذلك أجدى من التوارى بالدبلوماسية الناعمة اللزجة، التى هى مثل ضمادة لا تكاد تخفى تعفن الجرح من تحتها، وإيذانه بالغرغرينة والعواقب المهلكة الحزينة.

نظريات الإستراتيجية المصرية تجاه السودان:
عبارات كثيرة سطحية ترددها السياسة والدبلوماسية والإعلام المصرى لوصف العلاقة بين البلدين وهى على سطحيتها تشتمل على نظرية واحدة تتلبس بتعبيرات مختلفة وهى أن السودان ظهير لمصر أى أنه حامى ظهرها وحارس مصالحها وهو الفناء الخلفى لها وهو عمقها ومهربها حين تدلهم الأجواء وتعتكر الأفاق . ونظرية أن السودان عمق لمصر رغم تهافتها المنطقى فهى نظرية معكوسة، فإن الأكثر صحة أن يقال إن مصر عمق للسودان، فان العمق هو الجانب المنحدر من كل طبوغرافيا، ولكن فكرة أن مصر عمق للسودان لاترد على أذهان طبقة مصر الحاكمة والمظاهرين لها، ولذلك فإن العلاقة بين البلدين لا تُتصور علاقة بين أنداد، بل هى لديهم علاقة بين الباشا والتابع، وبين صاحب العمارة وبوابها. ونظرية البواب هذا التى لا يصرح بها أهل الإعلام والسياسة فى مصر إلا فى أوقات الملاسنة والمشاحنة، هى التعبير الأدق عن مفاهيم النخبة المصرية ومشاعرها تجاه السودان ،على الأقل من عهد محمد على باشا الألبانى ، وهى على عنصريتها وسطحيتها وتعاليها الكذوب هى للأسف مرتكز مخططى السياسة المصرية تجاه السودان منذ ذلك العهد.
فمحمد على باشا جاء لمصر بعقلية الباشا وتعامل مع السودان بذات العقلية. ولم يستفد من درس مهلك أبنه وقائد جيوشه إسماعيل على يد المك نمر. وقد أدرك السلطان بادى السابع آخر سلاطين مملكة سنار طبيعة العقلية الإستعمارية التى جاءت بالباشا محمد على للسودان عندما خاطبه متسائلاً كيف يصح له شرعا غزو دولة إسلامية تقيم شرائع الاسلام وتجتهد فى مصالح المسلمين، ولكن الباشا كان يعرف مقاصده من ضم السودان إلى أملاكه، فهو يريد ذهب السودان وموارده فى خدمة مشروعه التوسعى لبناء إمبراطورية مثل تلك التى أنشأها نابليون. وهو يريد موارد السودان البشرية دعما لجيوشه الغازية التى لم يتردد فى توجيهها ضد الخلافة العثمانية ،التى أبتعثته فى جيشها لطرد الجيش النابليونى من مصر. فالباشا الذى فشل فى تجنيد فلاحى مصر ونزعهم من أرضهم ليكونوا جنودا لبناء امبراطوريته أدرك بالتجربة من مشاركة فرقة الهجانة السودانية فى حربه ضد ابن سعود فى جزيرة العرب أنه يحتاج لأمثال هؤلاء، ليس حلفاء ولا نصراء ولكن تابعين وجنودا مجبرين. وهو فى مسعاه لذلك لم يأبه للسودان الدار والوطن فهو ليس أكثر من ظهير يستظهر به وجندى يؤمر فيعطى الطاعة راضيا أم صاغرا. فهل تغيرت مصر بعد محمد على وبعد أفول عهد أسرة محمد على ؟ هل تغيرت نظرة الملأ الأعلى الحاكم للشعب المصرى او للشعب السودانى ؟ هل إختفت الباشاوية والعقلية الباشوية عن سدة الحكم فى مصر بعد زوال الباشاوات الشركس والأتراك والألبان. لا أحب تقرير الأمور المعلومة بالبداهة لما فيه من سؤ ظن بذكاء من يقرأ .
زعمنا أن نظرية التابع والظهير والبواب ونظرية العمق والفناء الخلفى هى الرؤية الإستراتيجية التى تتموضع عليها الإستراتيجية المصرية للعلاقة مع السودان ولذلك فإن المصالح المصرية تأتى أولا ولا يحق للسودان ان يتحدث عن مصلحة أو أن يسعى لها إن كانت لا تتماهى مع ما تراه مصر الرسمية مصلحة لها. ولما كان النيل وتدفقه سببا للحياة فى مصر هو المصلحة الكبرى لمصر فإن علاقة السودان بوصفه حارس البوابة للنيل هو ما يعطى السودان هويته لدى نخبة مصر السياسية وباشاواتها وأتباعهم بقية الجمهرة الغافلة المستغفلة. ولا يستغربن أحد من الناس تهافت المنطق المصرى بإزاء موقف السودان من سد النهضة الذى هو سبب كل هذه الهوجة السياسية والإعلامية فى مصر فإن هؤلاء لا يجيزون للسودان أن تكون له مصلحة لا تتماهى مع ما تراه نخبة مصر السياسية مصلحة مصرية؟ فهل يجوز للبواب أن يطمع فى شقة فى العمارة ؟؟
النيل هل هو الواصل أم الفاصل؟
يحلو للأحباء فى مصر منادتنا بأبناء النيل عندما يصفو الطقس ولا يعتكر. وصواب هو القول ان النيل هو الواصل بين أبنائه وأبناء البلدين فهم يستقون منه ومنه يرتوى زرعهم وضرعهم. وهو كان ولا يزال شريان إتصال ومواصلة بين جنوبه وشماله. بيد أن جزع ساسة مصر وحكامها من السنين العجاف التى فى إبانها يكاد يجف النيل أو يكف تدفقه ولو بمقدار دفعهم إلى فكرة الهيمنة والسيطرة على السودان، لا فكرة الشراكة والإستنفاع الجماعى. وبذلك صارت مسألة تأمين تدفق النيل شمالا غير منقوص ولا محبوس هى الوسواس القهرى للسياسة المصرية على إختلاف عهودها. ولذلك إبتدعت العبقرية المصرية نمطا جديدا من الإستخبارات هى الإستخبارات الهيدورولكية إى الإستخبارات المائية وهذه العلاقة الأمنية الإستخبارية هى التى وسمت غالب الوجود المصرى فى السودان دبلوماسياً كان أم مالياً أم تجارياً أم تعليمياً. فالجميع حراس للأمن المائى المصرى. والأمن المائى المصرى فى السودان هو أن لا يستهلك الماء فى السودان وإنما يترك ليتدفق إلى منحدر الوادى ليصنع الحياة هناك ولو جفت الحياة ههنا. وقد يسأل السائل أليس لمصر حصة معلومة من مياه النيل، وهى تنالها بل وتنال فوقها ثلث حصة السودان فى كل عام؟ ففيم الجزع إذا؟ ورغم أن نظام الحصص فى إتفاقية مياه النيل نظام جائر أعطى المستكثر أكثر والمستقل أقل وذلك بدعوى الحقوق المكتسبة، إلا أن إحترام السودان لميثاقه النيلى لم يكف عنه غلواء ساسة مصر. فذات العقلية التى فسرت الحقوق المكتسبة ليس بإثبات ما تستخدمه مصر بالفعل ولكن بتنسيب ما تبقى من حصة فى المستقبل على ما تستخدمه بالفعل، هى ذات العقلية التى ترى أن ما كان يذهب إليها من حصة السودان بسبب حؤولها دون إستطاعة السودان لاستخدام حصته ،هو الآخر حق مكتسب ،وإن كانوا لا يقولون بذلك صراحة فهو الأمر الذى يستبطنه المستنبط من منطق غير مستقيم لا يزالون به يهرفون فى كل آن ومكان. والسودان بطبيعة الزراعة الموسمية وعدم قدرته لتخزين كامل حصته لاستخدامها فى الموسم المناسب لم يتجاوز حاجز الاثنى عشر ونصف مليار متر مكعب. وظلت مصر تحوز على متبقى حصته بسبب قدرة السد العالى الهائلة على التخزين . وقد بذلت الدولة المصرية جهوداً جمة كما أسلفنا للحؤول دون حصول السودان على قروض لإقامة السدود التى تمكنه من تخزين حصته لإستخدامها بما يتناسب مع حاجاته الموسمية. و تفسير غضب الساسة المصريين من سد النهضة سببه الأساس أنه يمكن السودان لأول مرة من التخزين لحصته وإستخدامها كاملة بل معرفة الإمداد المائى الفعلى لأن الإتفاقية تمكن السودان من إقتسام بالسوية لأية موارد مائية فوق الإمداد المعتاد سواء كان ذلك بسبب موسم فيضان جيد أو أية مشروعات يمكن أن توفر إمدادا جديدا مثل مشروع جونقلى على وجه المثال.
الزراعة المروية هى ما يغضب مصر:
ولأن ساسة مصر إعتبروا ما كان يعجز السودان من الإستفادة منه من حصته بسبب عدم القدرة على التخزين حقا مكتسباً فقد ظلوا يعوقون مشروعات السدود السودانية منذ العام 1902 عندما طرحت فكرة خزان سنار ولا يزالون يجتهدون فى ذلك مستعينين فى ذلك بعملاء يقدمون خدماتهم بثمن بخس وآخرين متحمسين جهلاء لايفرقون بين الكيد للنظام الحاكم والكيد للوطن. ومصر تفرق بين سدود تعلم أنها بطبيعة الماء والتربة سوف تخصص أساسا لإنتاج الكهرباء فبإزاء هذه تبدى مرونة مثلما حدث فى خزان مروى ولكنها تشدد كما تشددت بإزاء خزان الروصيرص بل وخزان خشم القربة الذى أتفق على أن يكون تعويضا للمهجرين بسبب السد العالى وهى تبدى الآن انزعاجا من خزانى نهر عطبرة وستيت لأنهما يمكنان من زراعة مليون فدان وكذلك تعلية الروصيرص الذى أتاح تمديد الرى الإنسيابى إلى كنانة والرهد ولست أختلق ذلك من تلقاء نفسى فليقرأ القارىء ما نشرته صحيفة البديل المصرية بتاريخ 2 مارس 2016 إذ تقول
«في الوقت الذي يُعتبَر سد النهضة حديث الساعة لدى المصريين، حيث يعتريهم الخوف من تأثيره السلبي على مصر وما يسببه من نقص حصة مصر من مياه النيل، هناك تجاهل إعلامي لقضية لا تقل أهمية عن سد النهضة، حيث توالت الأنباء عن مشروعات مماثلة لإقامة سدود جديدة بدول حوض النيل، كالسودان وأوغندا وتنزانيا ورواندا والكونغو. وأعلن المدير التنفيذي لصندوق إعمار وتنمية شرق السودان الجمعة الماضية اكتمال العمل في مشروع سدي أعالي عطبرة وسيتيت بنسبة فاقت الـ 90%، متوقعًا الانتهاء من جميع أعمال السد خلال العام الحالي. سد أعالي نهر عطبرة وستيت نُفِّذَ بقروض من مؤسسات تمويل خليجية، وسيولد السد كهرباء تصل إلى 150 ميجاوات للسودان، كما سيمكن من زراعة مليون فدان، يُنتظَر أن تستغلها استثمارات سعودية وفقًا لاتفاقات وُقِّعَت بالرياض نوفمبر الماضي. وقطعت عمليات التخزين ببحيرة السد شوطًا متقدمًا، ولم يتبقَّ سوى الخطوة القادمة، والتي سيتم من خلالها البدء في تركيب التوربينات، حيث اكتمل بالفعل العمل بالبوابات، بجانب الانتهاء من بعض محطات الكهرباء والبالغ عددها 4 محطات.» وتمضى الصحيفة لتقول «إن هذه السدود السودانية ستهدد حصة مصر المائية، وسوف تثير المخاوف من شبح الجفاف وعرقلة مشروعات التنمية، الأمر الذي يُعَدُّ خطرًا على الأمن القومي المصري، حيث تؤكد السودان دعمها لتشييد السد الإثيوبي الذي من المفترض أنه سيؤثر على حصتها بجانب مصر، لكن على ما يبدو أن هذا السد لن يكون له ضرر سوى على مصر؛ لأنه سيكون حيويًّا بالنسبة للسودان، خاصة أنها تقيم في الوقت الحالي مجموعة من السدود في شمال البلاد ستمولها السعودية.
وأعلنت الحكومة السودانية مؤخرًا تفاصيل اتفاقيات وقعتها مع السعودية؛ لتمويل بناء ثلاثة سدود شمالي البلاد، هي: الشريك ودال وكجبار، بجانب زراعة مليون فدان. وأشارت إلى أن سقف تنفيذ هذه المشروعات خمس سنوات.» هذه هى الرؤية المصرية وهى تقال ههنا بصراحة تامة وبلا مواربة فإن إقامة هذه السدود التى تمكن السودان من رى ملايين الأفندة من حصته إلا أنها ترى من الجانب المصرى مهددة للإمن القومى المصرى. والإدعاء أنها تهدد حصة مصر إدعاء بغير مستند فإن السودان يحترم تعهداته بموجب اتفاقية إقتسام مياه النيل رغم إجحافها بحقوق الأجيال السودانية فى المستقبل ورغم أنه يسعه ببساطة الإنحياز لبقية دول الحوض والتوقيع على معاهدة مبادرة حوض ليوضع أساس جديد لقسمة عادلة ولكن السودان يتمسك بالتضامن مع مصر حفاظا على مصالح الشعب المصرى رغم إن موقفه هذا لا تبادله إياه النخبة السياسية المصرية.
فرص النهضة الزراعية فى السودان:
والسودان يحتل الموقع الأول فى إنتاج بعض المحصولات وعلى رأسها السمسم والصمغ العربى ويحتل موقعا فى الدول الأكثر إنتاجا للذرة وقصب السكر والفول السودانى والدخن وكان من أكبر منتجى القطن فى العالم وبرزت فيه فرص لإحتلال موقع متقدم فى إنتاج زهرة الشمس والبطاطس والموز. وإذا علمنا أن بلدانا تعتمد فى اقتصادها على منتج واحد من هذه المنتجات أدركنا كم هى كبيرة تلكم الفرص التى تسنح لتحويل السودان إلى حقل هائل للحبوب وبستان عظيم لانتاج الفواكه والصمغ العربى وإلى أرض واعدة لإنتاج البهارات والمزروعات المستخدمة فى الأدوية وقصب السكر. والسودان الذى كان من أهم منتجى القطن فى العالم تسنح له الفرصة لإستعادة موقعه السابق بل وإقصاء بلدان تتقدمه فى هذا المجال ليأتي فى المرتبة الثانية بعد أمريكا ولم يعد ذلك حلما بعد التفاهم الذى تم لاقامة ما يسمى ببستان القطن فى السودان فى مناطق الرى المروى والرى المطرى فى مساحة مليون فدان وهذا ليس ببعيد فجبال النوبة وحدها كانت تزرع 350 ألف فدان قطن مطرى والآن بعد الحصول على تمويل صينى للمشروع يمكن للسودان أن يسرع الخطى مستعينا بالتقانات الجديدة والتحوير الوراثى لمضاعفة إنتاجه ومد مصانع الملابس فى شنجن وجوهاى فى الصين كما كان يمد لانكشير ويوركشير فى الماضى إضافة إلى التوسع فى صناعة النسيج والملابس محليا. وهذه السوانح لا شك تخيف المنافسين وقد إعتدنا منهم عدم التوقف عن أيما وسيلة للحؤول دون أن ينجز السودان حلمه فى نهضة وشيكة. وفرص التوسع فى الحبوب الزيتية السمسم والفول وزهرة الشمس وفرص إستزراع زيت النخيل كلها يمكن أن تجعل السودان مركزا لصناعات غذائية وتجميلية عديدة. والسودان يمكن أن يصبح بستانا ومصدرا لأفضل أنواع الفاكهة مثل الموز والمانجو والبرتقال بل والأناناس والفراولة وهى ستكون محصولات ذات جاذبية لأنها ستكون منتجات عضوية صرفة. والسودان موعود ليصبح منتجا لسكر القصب وسكر البنجر تخشاه جزيرة كوبا ويصبح منتجا للصناعات الغذائية التى تستخدم خامات القصب بما فى ذلك الإيثانول. وأما الصمغ العربى فهو محصول لا يخشى السودان فيه منافسة ويمكن له أن يطور زراعته وصناعته وإستخداماته الغذائية والدوائية. ومحصول جالب للعملات الحرة الوفيرة يغفل عنه الغافلون هو محصول البطاطس الذى نجح نجاحا باهرا فى السودان ويمكن للصناعات الغذائية المرتبطة به أن توفر مواردا هائلة للسودان. ونحن نضرب أمثالأ ولسنا من أهل التخصص وإن كنا من أهل الإهتمام وندرك أن هذه الفرص التى نراها يراها الأغيار وليس كلهم بسعيد بما يرى خوف المنافسة أو خوف ضياع فرص يحتكرونها أو حصص يخشون فواتها بيد أنه إن كان المؤمن كيس فطن فإن سواد أهل السودان من أهل الإيمان وهم من أهل الكياسة والفطانة بإذن الله الذى بنعمته تتم كل الصالحات.