اعتداءات الجيش المصري على المعدنين.. استمرار سيناريو التصعيد

تقرير: متوكل أبوسن

تقرير: متوكل أبوسن

فى الوقت الذى تنتظر فيه (الخرطوم ) ايفاء الحكومة المصرية بتعهداتها بإطلاق سراح محتجزات تخص المعدنين السودانيين مضت عليها نحو اكثر من 5 سنوات ، القت قوة تابعة للجيش المصري القبض على سبعة معدنين سودانيين بزعم تنقيبهم داخل الاراضي المصرية.
وقال بيان صادر من المتحدث العسكري المصري ان قواته احتجزت المنقبين فى الاسابيع الماضية واستولت على جهاز كشف عن المعادن وسيارة محملة بأحجار صخرية يشتبه فى احتوائها على خام الذهب .
استمرار مسلسل الاعتداء
اعتداء القوات المصرية على المعدنين السودانيين داخل الاراضى السودانية ليس الاول من نوعه بذات الزعم والمبررات وان كان هذه المرة مشفوعا باعتراف الجيش المصري نفسه ،وبالنظر الى ان وتيرة الاعتداءات المصرية على المعدنين السودانيين التى لم تتوقف منذ بدايات التنقيب الاهلي 2011 قد تزايدت فى الاونة الاخيرة بشكل ملحوظ.
وسائل اعلام فى الخرطوم تناقلت (الاربعاء) الماضى ، اطلاق دورية تابعة للقوات المصرية النار على مجموعة من المنقبين عن الذهب بمنجم أبراهيم حسين داخل الحدود السودانية بالقرب من وادي العلاقي،ما ادى الى اصابة أحد المنقبين، سبقها فى ديسمبر الماضى اعتداء قوة عسكرية مصرية قوامها (25) فرداً بقيادة رائد على متن ثلاث عربات لاندكروزر وشاحنة، على منجم للتعدين الأهلي يتبع لأحد المعدنين السودانيين بوادي العلاقي بمنطقة (ثريرة) بولاية البحر الأحمر مُصدق من وزارة المعادن السودانية،والقت القبض على (5) من عمال المنجم واستولت على حفارة، وقامت بوضع عدد من عناصرها كخدمة ثابتة بالمنجم بعد أن أخطرت المعدنين السودانيين بأن هذه الأراضي مصرية .
فشل الوصول لتفاهمات
استمرار الاعتداءات المصرية على المعدنين السودانيين داخل الاراضى السودانية كان من المتوقع حسمه فى عدد من اللقاءات التى جمعت المسؤولين السودانيين بنظرائهم المصريين خاصة فى الفترة الاخيرة ، وكان اخرها اجتماعات لجنة التشاور السياسي برئاسة وزيري خارجية البلدين فى العشرين من ابريل الماضى بالخرطوم ، ولكن انفضت الاجتماعات دون تحقيق تقدم يذكر في ملف الاعتداءات من جهة والافراج عن ممتلكات المعدنين السودانيين من جهة .
وبدا مستغربا ان تكتشف السلطات السودانية عدم صحة افادات وزير الخارجية المصرى سامح شكرى التى اطلقها (الخميس) 20 ابريل الماضى قبيل مغادرته الخرطوم بأنهم سلموا ممتلكات المعدنين السودانيين للجانب المصري في معبر (أرقين) منذ أكثر من شهر ونصف،حيث كشفت مجريات الاحداث عدم وصول اى من ممتلكات المعدنين لاى من نقاط الجمارك السودانية برا كانت او بحرا . واشارت تقارير صحفية الى ان المتعلقات المحتجزة (430) سيارة وعدد كبير من أجهزة كشف المعادن وتحديد المواقع، وهواتف خلوية (ثريا) وعدد من أجهزة البوصلة الحديثة، فضلاً عن كميات من خام الذهب، ومولدات كهربائية تقدر قيمتها بمبلغ (8) ملايين دولار.
ازدياد وتيرة الاعتداءات
ولكن رئيس لجنة المعدنين السودانيين المتضررين سليمان مركز حدد قيمة ما تحتجزه السلطات المصرية من عربات واجهزة كشف عن الذهب ومقتنيات اخرى بنحو 20مليون دولار.
مركز فى حديثه لـ (الصحافة) اكد ان اعتداءات الجيش المصري على المعدنين السودانيين لم تتوقف منذ بدايات التعدين الاهلى وانها ازدادت فى الفترة الاخيرة ، مشيرا الى ان ما يصل الى اجهزة الاعلام لايتجاوز الـ 10% من حجم الاعتداءات على المعدنين السودانيين داخل الاراضى السودانية ،لافتا الى انه يعد انتهاكا لسيادة الدولة.
مركز كذّب ادعاءات الجيش المصري بأن من تم القبض عليهم كانوا يتواجدون بالاراضى المصرية ،مشيرا الى ان القبض عليه ومعه خمسة من المعدنين من قبل الجيش المصري كان من داخل الاراضى السودانية جنوب منطقة جبل عوينات فى الاول من يناير من العام 2015 ،لافتا الى اعتداء الجيش المصري على المعدنين السودانيين فى منجم (ثريرة) المصدق من قبل وزارة المعادن السودانية .
ماذا وراء الاعتداءات المصرية
تأكيدات رئيس لجنة المتضررين سليمان مركز بأن الاعتداءات المصرية على المعدنين السودانيين دافعها الطمع فى ممتلكات المعدنين ، ربما يفتح الباب امام سيل من الاسئلة حول الاهداف الحقيقة وراء الاعتداءات المصرية على المعدنين السودانيين ، وما اذا ما كانت تفلتات محدودة بقصد الطمع فى ممتلكات المعدنين او انها محاولات لاستفزاز الجانب السودانى لزيادة حدة التوتر بين البلدين خاصة ان كل هذه الاعتداءات تتم داخل الاراضى السودانية وفى مواقع مصدق عليها من قبل وزارة المعادن السودانية، فى وقت تمر فيه العلاقات السودانية المصرية بحالة من التقاطعات ربما بسبب حظر السلطات السودانية دخول المنتجات الزراعية المصرية وبعض السلع ما ادى الى تبادل الاتهامات بين وسائل الاعلام بين البلدين فى ظل ضغوطات شعبية سودانية على الحكومة لاتخاذ موقف اقوى فى قضية مثلث حلايب المحتل من قبل القوات المصرية منذ العام 1995 ،ما دفع وزير الخارجية المصري لزيارة الخرطوم نهاية ابريل الماضى فى محاولة منه لتلطيف الاجواء ، وربما محاولة لمنع التقارب السودانى الامريكى واتجاه رفع الحظر الاقتصادى على السودانى ، وربما غيرة سياسية من التقارب السودانى مع دول الخليج.
استمرار احتلال الجيش المصري لمثل حلايب يبدو انه اساس الازمة ووزير الدفاع الفريق اول ركن عوض ابنعوف، فى الثانى عشر من ابريا المنصرم وفى جلسة مغلقة بالبرلمان يكشف إستفزازات مصرية للجيش السوداني في مثلث حلايب ،مؤكدا أن الجيش يمارس ضبط النفس إزاء استفزازات مصرية له، وهو في انتظار حلّ المشكلة سياسيا بين رئيسي البلدين.
حديث رئيس الجمهورية المشير عمر البشير لقناة الجزيرة القطرية امس الاول (الاثنين) بدا اكثر وضوحا ، وهو يهاجم الاعلام المصري العام والخاص بالعمل على الاساءة الى السودان وان بلاده مع ذلك تصبر على هذه المعاملة ،وقال : بلادنا تتحلى بالصبر ازاء مصر رغم احتلالها اراض سودانية لان العلاقات المصرية السودانية تاريخية وروابطها قوية.
تفويت الفرصة
الكاتب الصحفى والمحلل السياسي مصطفى ابو العزائم رأى فى الاعتداءات المصرية على المعدنين السودانيين استفزازا لجر السودان لمواقف سالبة وتعكير علاقات البلدين ، رافضا وصفها بالتصرفات الفردية مؤكدا انها فى الغالب (تعليمات) تصدر للتنفيذ.
مصطفى نبه الى ان الاعتداءات تشير الى عدم التزام الجانب المصري بما تم الاتفاق عليه بين البلدين بعدم احتجاز اى من رعايا البلدين دون اسباب قانونية،وقال فى حديثه لـ (الصحافة) : الجانب المصري كأنما يتمسك بأن مناطق التعدين مصرية لاسودانية .
ابوالعزائم لم يستبعد وقوف جهات خلف الاستفزازات المصرية للجانب السوداني لجر الطرفين الى مواجهة بهدف نسف استقرار الدولتين ،وقال : هناك من يحرك الجيش المصري لكى تحدث مواجهة ،واضاف : السودان لولا انه يتعامل بالحكمة لدخلت الدولتان فى مواجهة منذ دخول الجيش المصري لحلايب 1995 .
ابوالعزائم دعا الطرفين الى تفويت الفرصة على دعاة التأزيم بتحديد النقاط الحدودية وتسيير دوريات المراقبة ،واستطرد : العلاقات بين مصر والسودان كثيرا ما تسوء الى اكثر من ذلك لكنها لا تصل لمرحلة المواجهة وسرعان ما تصفو ،مشيرا الى ان العلاقات ساءت فى العام 1958 وهو ما يعرف بمشكلة حلايب لكنها سرعان ما تلاشت فى العام 1967 ايام ما عرف بحرب النكسة ،وقال : حينها مصر لم تجد الا السودان يحتضنها ،مشيرا الى دور رئيس الوزراء الاسبق الراحل محمد احمد المحجوب والمصالحة التاريخية بين الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز فى العاصمة الخرطوم فى مؤتمر القمة العربية الرابع 29 اغسطس 1967 بعد هزيمة اسرائيل لمصر.