فصل الحزب عن الدولة

480بحسب عضو القطاع السياسي بحزب المؤتمر الوطني نزار محجوب ، أن مشاورات تجري داخل الحزب بغرض اجراء تعديلات في الهياكل تماشيا مع المرحلة الجديدة ، وأن فئة عريضة من قيادات الحزب ترى أن المطلوب خلال المرحلة المقبلة أن يفهم الناس أن الحزب جزء من الساحة ويصطف مع الآخرين لا يقودهم ، وألا يتعود أن يأخذ الأغلبية المريحة في كل شيء ، «اليوم التالي ـ الاربعاء 17 مايو»، وقبل أقل من عامين كان الرئيس قد وجه نقدا قاسيا لحزبه المؤتمر الوطني ، بقوله فيه إنه ضعيف البناء القاعدي، وأن جذور الشجرة التي يتخذها شعاراً له ممدة على سطح الأرض وليست متعمقة أو راسخة في باطن الأرض، وأنه بات يخشى عليه من حال ومصير الاتحاد الاشتراكي، الى آخر ما قاله يومها الرئيس في هذا الصدد.. واذا ما حاولنا تجسيد عبارات الرئيس المنطوقة في وصف حزبه الى صورة محسوسة ومشاهدة ، سيبدو لنا هذا الحزب في صورة «كائن» كبير ومتضخم الرأس منتفخ البطن نحيف ورقيق الرجلين، وهي الصورة الكروكية ذاتها التي رسمتها من قبل المخيلة الشعبية لمن يبدو من الناس على هذه الشاكلة بقولها فيه «راسو كبير كرعينو رقاق من ولدو سمو العولاق»، وفي ذات المعنى قال شاعر شعبي ساخر «دعوب السمين الساساق.. راسو كبير كرعينو رقاق.. دعوب السمين أبو جضوم داندرمة ديل عيونك ولا كرضمة.. دعوب السمين بلاع الذمة جضومك تعمل الحمى.. يلا قوم بلا لمة».. الغريبة رغم أن الرئيس لم يخطئ في تشبيه حال حزبه بحال الاتحاد الاشتراكي سابقاً بل أصاب كبد الحقيقة، إلا أن هذه المقارنة الصحيحة أثارت للعجب ثائرة بعض من لا يزالون على عقيدة حزب مايو الواحد الأوحد الاتحاد الاشتراكي الذي لا شريك له؛ مستنكرين ورافضين هذا التشبيه باعتباره إهانة لحزبهم، وهذه لعمري من أقسى اللطمات التي توجه لحزب المؤتمر الوطني، فإذا كان حتى الاتحاد الاشتراكي وما أدراك ما هو يعتبر تشبيهه به إهانة، فماذا بقي له بعد ذلك.؟
الحقيقة أن الحال الذي آل إليه حزب المؤتمر الوطني، هو من صنع المؤتمر الوطني نفسه وليس من كيد المتآمرين والطابور الخامس، فهو قد وطن نفسه ووطدها منذ ميلاده على أن يكون حزباً للسلطة محتكراً لكل شيء، نشأ في كنف السلطة وتربى تحت رعايتها، فصار مجرد حزب حكومة يتكئ على السلطة ويرضع من ثدي الحكومة، بل من الصعب جداً تصور أي دور له بعيداً عن السلطة أو بمعزل عنها حتى غدا مثله مثل أي مصلحة أو وحدة حكومية، وحزب بهذه المواصفات بالضرورة أن يجتذب الى صفوفه الأرزقية والمنتفعين والباحثين عن المناصب، وهكذا كان الاتحاد الاشتراكي على عهد نميري والاتحاد الاشتراكي المصري، وهلمجرا من أحزاب شمولية قابضة.. واذا صح العزم لتصحيح هذه الصورة الشائهة للحزب يكون أبرز المطلوب أن تتوافق حكومة الوفاق على مشروع جديد بنظام ديمقراطي حقيقي يسع الجميع وتتساوى فيه الأحزاب وقبل ذلك أن يفصل الحزب عن الدولة.