حلول تعقيدية.الخرطــــــوم والقاهــــــرة.. «حرب» أمنية… و«هواجس» إقليميـــة!

nafeesaبالرغم من ان «الواقعية السياسية» أخذت مجراها بعد مجئ السيسي رئيساً لمصر… وتبادل البشير والسيسى الزيارات وعبارات المديح… ومنح السيسي الرئيس البشير وسام «نجمة سيناء» وهو أعلى وسام عسكري مصري…. إلا أن ثمة توترًا مكبوتًا تحت الرماد… يترقب الفرصة الملائمة للخروج إلى العلن في العلاقات السودانية المصرية…. ففي منتصف ديسمبر من العام الماضي… حطت طائرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في يوغندا… التقى بالرئيس يوري موسيفيني، بعدها بأيامٍ قليلة كان السيسي يلتقي برئيس دولة جنوب السودان سلفا كير في القاهرة، قبل أن يطير في فبراير مجددًا إلى العاصمة الكينية ليلتقي بالرئيس الكيني في زيارة استغرقت يومًا واحدًا… دفع هذا النشاط الاستثنائي للسيسي افريقيًا ببعض المراقبين إلى تلمُّس ملامح «الحلف الإقليمي» الجديد الذي تسعى القاهرة إلى نسجه لإحكام الحصار حول خصومها في المنطقة…. وتحدثت تقارير صحفية عن اتفاق ثلاثي بين مصر وأوغندا وجنوب السودان يقضي بالتعاون لدعم المعارضة المسلحة في كلٍ من إثيوبيا والسودان… على أن تقوم مصر بتوفير دعم عسكري واستخباراتي وإرسال مدربين عسكريين لتدريب الجيش الجنوبي والمتمردين ….وتعززت تلك الاتهامات باشارة للرئيس البشير السوداني ان «لديه معلومات عن دعم مصري لحكومة جنوب السودان بالأسلحة والذخائر» ، كما اتهم المتمردون في جنوب السودان الحكومة المصرية بقصف مواقعهم لصالح القوات الحكومية ، وهي الاتهامات التي نفاها الجانب المصري بشكلٍ قاطع… وامس الاول جددت الخرطوم عدم قبولها بالمواقف المصرية خاصة في قضية حلايب.. وقال الرئيس البشير…ان احتلال مصر لحلايب «مؤشر خطير».. و«طعنة مصرية» تمت مع انشغال الجيش لصد تمرد الجنوب.. واكد امتلاك السودان للوثائق التي تثبت سودانية حلايب..مجددا رفض الخرطوم الدخول في حرب مع القاهرة… مع تجديد التمسك بالمضي في اتخاذ كافة الاجراءات لاثبات سودانية حلايب بما فيها اللجوء للتحكيم الدولي….
مواجهة عسكرية…
تفجّر الصراع بين الخرطوم والقاهرة حول مثلث حلايب الذي تبلغ مساحته قرابة 22 ألف كيلومتر في العام 1956 مع إعلان استقلال السودان… حيث كادت المنطقة تشهد مواجهة عسكرية عندما حشد السودان قواته على أيام حكومة عبد الله خليل ونظيره جمال عبد الناصر لكنهما وصلا لتفاهمات هدّأت من التصعيد….. ووصل النزاع ذروته في العام 1995 حين فرض الجيش المصري سيطرته على مثلث حلايب… وتبع ذلك تغيير الخارطة الجغرافية للسودان في الدوائر المصرية الرسمية والتعليمية… ومن هنا دخل الصراع نفقًا جديدًا… بالرغم من عدم التجاوز من الخطاب الاعلامي الرسمي….
تصعيد سياسي…
ظلت العلاقات السودانية المصرية لاكثر من ثلاثين عاماً ذات طبيعة متوترة مشدودة… تَبرُز فيها تصعيدات سياسية خطيرة… واستفزازات إعلامية عنيفة… تُتّخذ فيها أدوات عسكرية في بعض المراحل… وتتخللها حرب أمنية مخابراتية مكتومة تقودها وحدة مختصة استهدفت مؤخراً بعض الاعلامين السودانيين ومنعهم من دخول مصر … بالرغم من ان الطرف المبادر في التوتير غالباً هو النظام المصري واعلامه الذي يعمل وفق رؤية إستراتيجية تقليدية… لم يطرأ عليها تطوير منذ الحكم الثنائي المصري الإنجليزي الذي كان يَعُدّ السودان جزءاً من مصر… وامتداداً لسياستها وعمقاً خلفياً لها… مما نتَج عنه اعتبار السودان تابعاً سياسياً لمصر وحديقة خلفية لنشاطها، وأنه لا مستقبل للسودان بدون مصر…
خطوات للحسم…
وفي يناير العام المنصرم أخذ الصراع منحى غير مسبوق حيث اتخذ السودان بعض الخطوات باعلانه تكوين لجنة تضم الجهات ذات الصلة لحسم قضية المثلث… وتقدم السودان بشكوى لدى مجلس الأمن الدولي بشأن الحدود مع مصر… والتأكيد على خضوع مثلث حلايب للسيادة السودانية… بما يعد نقلة نوعية في موقف السودان لتصعيد القضية وصولاً إلى ساحة التحكيم الدولي وهو ما رفضته القاهرة بشدة… مؤكدة أن المثلث مصري خالص.
تحكيم بحري…
زاد السودان من تصعيده بعد الهجمة الإعلامية التي تعرض لها من قبل أجهزة الإعلام المصرية… حيث طلب السودان من مصر اختيار طريق التفاوض أو التحكيم الدولي، الامرالذي رفضته مصر… ما جعل السودان يلجأ إلى التحكيم البحري، وأودع السودان في مارس الماضي خطوط أساس للمناطق البحرية لدى الأمم المتحدة فتسارعت مصر الايام الماضية بإيداع اعتراض لدى الأمم المتحدة على خطوط الأساس للمناطق البحرية التي اودعها السودان…
وقال الرئيس البشير إن الخرطوم تتحلى بالصبر إزاء القاهرة رغم «احتلالها» لأراضي سودانية… كما اتهم الإعلام المصري بالإساءة إلى السودان رغم «القوة التاريخية» للعلاقات المصرية السودانية… وقال في حديث للجزيرة «ان السودان لم يقم بأي إساءة لمصر رغم «احتلال» مصر جزءا من الأراضي السودانية، في إشارة إلى منطقة حلايب وشلاتين التي تعتبرها القاهرة أرضا مصرية… وأضاف البشير أن الإعلام المصري العام والخاص يعمل على الإساءة إلى السودان، وأن بلاده مع ذلك تصبر على هذه المعاملة لأن العلاقات المصرية السودانية تاريخية وروابطها قوية جدا…وتابع قائلا «مصر مستهدفة ونحن مستهدفون، فأي شرخ في هذه العلاقات هو خصم للاثنين، وهو ما يصب في مصلحة أعداء الأمة»…وحول التأزم المتزايد حول علاقة الخرطوم والقاهرة… وتداعيات ذلك قال استاذ العلوم السياسية د. آدم محمد احمد ل«الصحافة» ان العلاقة بين البلدين تقوم على اسس متناقضة .. مبيناً ان المصريين يعتقدون ان مصالحهم القومية تقتضى ضعف السودان عكس ما يرى السودانيون ،حيث انهم يعتقدون ان مصر الحبيب الاول ويتعاملون على ذلك ،ووصف ذلك بالمنظور العاطفى «حب من طرف واحد» ،واشار الى ان اقامة تكامل مع مصر يحتاج الى عدة متطلبات منها ادراك مصر ان الجيل الذى كان يرتبط بها من السودان انتهى ،وان ادواتها على السيطرة على السودان تضاءلت بالاضافة الى ان العلاقات السودانية تبنى على المصالح وان السودان هو اليد العليا كما على مصر ان تدرك حجم تحسن علاقات السودان عربيا وافريقيا.
تصاعد الاعتداءات المصرية…
وتمر العلاقات السودانية المصرية حاليا بمرحلة توتر نتيجة تصاعد القضايا الخلافية بين البلدين بشأن مثلث حلايب، وسد النهضة فضلا عن خلافات بشأن قضايا أمنية، واكدت لجنة المعدنين السودانيين ان ما يصل الاعلام من اعتداءات الجيش المصري10%.. مشيرة الى زيادة معدل الاعتداءات مؤخراً.. وكشفت اللجنة ان ما تحتجزه السلطات المصرية من عربات واجهزة كشف عن الذهب وبعض المقتنيات تقدر بنحو20 مليون دولار…
وارجع الخبير في القانون الدولي وعضو ملف التفاوض في حلايب د. احمد المفتي التصعيد الذي شهدته القضية على خلاف ما كان يحدث في الماضي لأسباب أن العلاقة بين مصر والسودان ليست على ما يرام لوجود مشكلة سد النهضة وإيقاف السودان لاستيراد المنتجات المصرية، وحول بحث طرق الحل وتهدئة الاوضاع قال المفتي «هذا النوع من النزاعات له ثلاث طرق للحل… الأول الحل القانوني… والمواجهة وفرض الأمر الواقع على الطرف الآخر كما حدث من مصر في التسعينات بإنزالها لقوات في المنطقة والطريق الثالث عبر الأمم المتحدة».
مخططات توسعية…
ويعتبر مثلّث حلايب على البحر الأحمر وشلاتين نموذجاً لمخططات مصر التوسعية والاحتلالية إزاء السودان… واكد خبراء القانون الدولي ان ما ينطبق على أحدهما من الناحية القانونية ينطبق على الآخر… وبرزت الخلافات على مثلث حلايب إبان عملية الإحصاء السكاني الذي أجري في عام 2008م.. واعتبره مراقبون موقفا احتلاليا للسيادة السودانية… فقد رفضت مصر أن تسمح للسودان بدخول مثلث حلايب بحجة مصريته وعدم سودانيته مما يعد ذلك الموقف المصري «جرس الانذار» الى الخطة المصرية التي تهدف الى تمصير حلايب عبر سياسة الامر الواقع.. بالنظر الى واقع الحال بين البلدين تتجاذب الاستفهامات بعضها… من هو صانع سياسة مصر الدولية.. هل الرئيس.. ام المخابرات؟!.. وكيف تُدار؟…ولماذا تتصف العلاقة مع السودان من جانب مصر بعدم الوضوح في كل المواقف؟