خواطــــــر جيـــــــــل مـــــودع «1ـ2»الاستثمــــــــــارات في الســــــــــودان وإنقـــــــــاذ البـــــــلاد

بقلم بروفسور صلاح الدين محمد الامين

بقلم بروفسور صلاح الدين محمد الامين

لمرة رابعة وربما أكثر نقول « لا خير فينا ان لم نقلها، حتى بعد فوات الأوان بعد أن كنا نقول «لا خير فينا إن لم نقلها قبل فوات الأوان « . هذه خواطر مختصرة جدا حول بعض مشاريعنا «الاستثمارية» التي تعلن أو تفتتح بالأهازيج ودق الطبول آملين أن ننبه الى بعض مخاطرها لعلنا نتدارك ما يمكن تداركه من مخاطر أو محاذير قد تلحق ببلادنا، فنحن ننتمى الى الأجيال التى رعاها محمد احمد دافع الضرائب – منذ مرحلة المدرسة الأولية «الأساس الآن « الى الجامعية وما فوق الجامعية وإلى ما بعد الدكتوراة ولذلك نرى أنه واجب علينا ،بل فرض عين، أن نكرر التحذير تلو التحذير من كل ما يمكن أن يصيب هذا الوطن الشامخ ذي التاريخ العريق الضارب فى القدم من مكاره ومصائب قد تلحق به ، وذلك هو أضعف الايمان.
سوف أتناول فى هذه العجالة بعض المشاريع « الاستثمارية» فى مجالات مختلفة و باقتضاب أرجو ألا يكون مخلاً، تاركا المجال للاخوة المتخصصين من زملائنا ومن الذين تخصصوا من طلابنا وطلاب طلابنا للدخول في تفاصيل كل موضوع بالدقة العلمية المطلوبة ،فأنا على يقين أن هنالك الكثيرين الذين يستطيعون تناولها باقتدار أكبر مما أستطيع، ولنبدأ من الآخر كما يقال.
1- الاستثمارات الزراعية:
أولا بعض الحقائق:
العقول والخبرات السودانية في مجالات الزراعة الواسعة وفى مجالات مشروعات الري الكبرى خبرات مشهود لها عالميا ولا تتوفر للدول التي نحتفى بخبراتها أو رؤوس أموالها ، كما أن خبرة المزارع السوداني في مشروع الجزيرة أو أي مشروع آخر لا تتوفر لأى من الذين نستقدمهم بدون وجه حق أو أى سبب يدعو لذلك، فعمالة بلادنا ومهنيوها مقتدرون وهم أولى بفرص الاستخدام والاستشارة، والأجيال الجديدة منها قابلة للتدرب وأولى بفرص التدريب.
? لم نستنفد بعد حقوقنا المشروعة من مياه النيل سواء في مشاريع النيل الأزرق أو الجزيرة أو النيل الأبيض وهي مشاريع حطمناها بأيدينا ونوالى هدم ما تبقى منها، ويعرف الدانى والقاصى أنها كانت نماذج يحتذى بها فى فن ادارة المشاريع الزراعية الكبرى الناجحة وقد كانت عصب اقتصاد السودان ونماذج فى التنمية الاجتماعية، ولذلك فلنتوقف قليلا قبل أن نفكر فى مشاريع جديدة حولها كثير من علامات الاستفهام، ولتكن اُولى أولوياتنا إعادة تأهيل هذه المشاريع التى تهدمت بفعل فاعل ،فالعقول والأيدى التى حافظت على هذا الارث العظيم ما زال بعضها موجودا وقادرا على العطاء فلنلحق بها قبل أن تلحق بمن سبقوهم من كوادر وخبرات فى مجالات اخرى كثيرة مثل السكة حديد المؤودة والكهرباء وغيرهما .
خزان مروى وأراضى الشمالية:
كان العشم أن يكتمل سد مروى باكتمال القناتين الشرقية والغربية واللتين تستزرعان الأراضى الخصبة الشاسعة الى الشرق من النيل والى الغرب منه والتى قد تمتد الى تخوم معتمدية حلفا فهى مناطق ذات شتاء معتدل وطويل نسبيا يسمح بزراعة محاصيل شتوية يمكن أن تنتج وبانتاجية عالية ونوعية متميزة القمح والفول والبسلة والخضر والفاكهة ونباتات الزينة وغير ذلك بكميات تكفى البلاد وتفيض للتصدير وبخاصة اذا علمنا أن شتاءنا الخفيف هو وقت الثلوج والعواصف فى اوربا وبقية دول النصف الشمالى للكرة الأرضية فهى لذلك تستورد هذه السلع من أماكن بعيدة بينما نحن الأقرب لهذه الأسواق ،ومن العيب الا يكتمل السد الذى فرحنا ببنائه وهللنا لافتتاحه بإنشاء القناتين، وإن لم يحدث ذلك فكأننا قد بددنا مواردنا وراكمنا الديون الثقيلة على أكتاف أجيالنا القادمة لتخزين المياه لغيرنا دون مقابل ولتوليد قليل من الكهرباء كان يمكن أن يولد فى أماكن اخرى وبتكلفة أقل.
? المياه الجوفية التى حبانا الله بها «فى الحوض النوبي وغيره» هي ثروة ناضبة غير متجددة، غالية لا تقدر بثمن ،ينبغي الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها لأنها ملك لأجيال قادمة، واجب علينا بل فرض أن نحفظها لهم دون السماح لأحد أن يعبث بها في مشاريع لن تفيد السودان شيئاً، وعلينا أن نتذكر أن دولة مثل المملكة العربية السعودية تحرم استغلال المياه الجوفية فى زراعة القمح أو الأعلاف ، فمن الخير أن نعمل على تحديث مراعينا الطبيعية وتطويرها فى مناطق السافنا وغيرها حيث تتواجد ثرواتنا الحيوانية، وبخاصة بعد انفصال الجنوب وما صاحب ذلك من تقليص للمراعى، لكى نكون بذلك من منتجي ومصدري أجود أنواع اللحوم بدل أن نؤذى بلادنا مرتين، مرة باستهلاك مواردنا المائية الناضبة وأُخرى بتعريض ثروتنا الحيوانية للهلاك أو البوار.
2- مشاريع الطاقة:
أولاً: مشروع توليد الكهرباء من الطاقة النووية: مواضيع الكيمياء النووية والطاقة النووية لها بعض علاقات بدراستى الأكاديمية ولذلك اكتسبت فيها من العلم قليلا وان لم يكن كل هذا القليل فى توليد الطاقة الكهربائية منها، فصحيح أن الطاقة النووية تعتبر من الطاقات غير الناضبة والرخيصة نسبيا وهى طاقة هائلة كامنة فى أنوية بعض النظائر «Isotopes» لبعض العناصر وهذه الطاقة عملاق نائم ويلٌ لمن يوقظه دون اتخاذ التحوطات الكبرى اللازمة، ولذلك أُوجز رأيي فى هذا الأمر بكلمات قليلة هي أن» السودان ليس جاهزاً للدخول في مشروع يحتاج الى تقانة عالية وذي مخاطر كبيرة، فالطاقة النووية تبدو رخيصة لمن لا يعرف مخاطرها إذ أنها قد تقود الى كوارث لا نستطيع أن نتعامل معها بظروفنا العلمية والتقنية والبنى التحتية الراهنة ولذلك أرجو أن نصرف النظر فورا، واليوم قبل الغد ، عن مثل هذا المشروع والتحول الى مشاريع الطاقة المتجددة الأُخرى الأكثر أمانا».
ثانيا: مشاريع الاستفادة من طاقة الرياح وطاقة الشمس و كلتاهما من البدائل الآمنة جدا وللسودان فيها بعض تجارب وتاريخ اذ أن معظم قرى الجزيرة وبعض مدنها كانت تشرب المياه النقية المرفوعة بمضخات تعمل بطاقة الرياح وذلك لزمان ليس بالبعيد، وكذلك لنا بعض التجارب في توليد الكهرباء من طاقة الرياح اذ كانت البطاريات السائلة لتشغيل أجهزة الراديو فى المنازل ومكاتب البريد الريفية فى زمان مضى تشحن بمولدات كهربائية تعمل بقوة الرياح ولنا أيضا بعض الخبرات فى توليد الكهرباء من ضوء الشمس، فلنحمد الله على شمسنا الساطعة على مدار العام ورياحنا التي لا تتوقف، ولنبذل جهدنا في استغلال هذه الموارد الميسرة التي لا تكلف غير أدواتها، فالتقنية قد تطورت كثيرا و الحصول عليها والامساك بناصيتها أصبحا ميسرين، وكثير من الدول قطعت أشواطا مقدرة للتحول الى هاتين الطاقتين الآمنتين ـ والمتوفرتين لنا ـ مستبدلين بهما طاقة الوقود الأُحفورى الملوث للبيئة والطاقة النووية ذات المخاطر الأكبر.
3– النيل وشواطئه:
النيل هبة من الله أوجدنا الله على شواطئه لننعم بمائه وخصبه لكننا الآن وللأسف نعبث بمياهه وخصبه ومجاريه ، وقد ظللنا ننبه لبعض هذه الامور مرارا ولأكثر من عقدين من الزمان فينبغي أن ننقذ ما يمكن انقاذه ونوقف هذا الاستغلال العبثي لشواطئ النيل في الخرطوم وحولها ، ونوقف أي تحويل لهذه الشواطئ الخصبة والجميلة فعلا الى شوارع أسفلت وعمارات وفلل وأندية و صالات وكنا قد ضربنا مثلا في مناسبات سابقة بسلطات مدينة «بيرث» في غرب أُستراليا والتى تمنع قيام أية إنشاءات «سواء أكانت مبان رسمية أو فنادق أو غيرها» على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات من شاطئ نهر اسوان (Swan River) وتركت كل المساحات حول النهر كمتنزهات رائعة ومفتوحة للمواطنين والزائرين ، وجدير بالذكر أن هذا النهرالصغير لا يمكن أن يقارن بنهر النيل ،أحد أعظم أنهار العالم وذى التاريخ العريق والهيبة البازخة والذى عبثنا بشاطئيه وجعلناهما مسخا مشوها.
شواطئ النيل قد بيعت فعلا أو هى معروضة للبيع في قرار لا يمكن أن يوصف الا بالجنون فنحن نرى بعض أجزاء النيل يردم بالتراب المجلوب من الصحراء لبيع الأرض الناتجة كأراضي سكنية بدل أن يؤخذ شيء من ماء النيل لتحويل جزء من الصحراء الى خضرة تسر الناظرين وتنفعهم «فانظروا الى ما يحدث للشاطئ جنوب كبرى الفتيحاب وما يحدث من تخريب لغابة السنط وهى محمية طبيعية وانظروا الى ما حدث ويحدث لشاطئى النيل الأزرق والنيل الرئيس وإلى عدم اكتراثنا للمخاطر البيئية والكوارث المحتملة من العبث بمجارى الأنهار».
4- أبراج العاصمة:
هل شاهدتم الأبراج الشاهقة التي بدأت تزحم سماء العاصمة وهل سألنا أنفسنا أين تذهب النفايات السائلة وشبه السائلة لهذه الأبراج علما بأنه لا يوجد لدينا نظام صرف صحي قائم وسليم؟ فأغلب الظن ـ وليس كل الظن اثما ـ أنها تضخ الى جوف الأرض لتلوث المياه الجوفية والتي يشرب منها معظمنا، واذا ما عمت الأمراض نلوم المكروبات والجراثيم «مجهولة المصدر»مثل الوافد الجديد الذى بات يعرف بجرثومة المعدة التي بات يشكو منها ـ بالحق أو بالباطل ـ الكثيرون ممن نلقاهم، ولا نبحث فى المسببات الحقيقية لما نعانى منه ، وأرجو أن لا يظنن أحد أننى أضع اللوم على جهة واحدة او سبب واحد لتردى أوضاعنا الصحية لكنه موضوع مهم يحتاج الى علاج ناجع.
5- السدود:
نعود لموضوع السدود مرة اخرى ونقول إن أي سد يقام على نهر فهو يعيق سير النهر وبالتالي فإن قاعدة لوشاتلييه المعروفة فى علم الفيزياء تستدعي أن يتحرك موضع التوازن الى موضع جديد مع ما يصاحب ذلك من مشكلات لاحصر لها «ناقشناها فى مناسبة اخرى».
فلكل سد «أو مشروع مصاحب له» مستفيدون كما أن له ضحايا ينبغي أن ننظر فيما يمكن أن يصيبهم من أضرار، فبعض هذه السدود المقترحة «كجبار، دال، الشريك» لا نعرف لها فائدة تذكر إذ أننا لم نطلع على كتاب أبيض نشر عن أى من هذه المشاريع ليطلع عليه الجمهور، والمتأثرون خاصة، ليبدوا آراءهم عن علم ومعلومات دقيقة ولذلك ينبغى ألا نلومهم عندما يتشككون فى جدواها ويرون أن الدافع الحقيقى وراء الاصرار على بنائها هو أن تكون مخازن خلفية للسد العالى الذى فقد جل سعته التخزينية نتيجة الاطماء، ربما لتسديد بعض الفواتير.
6– تعدين الذهب:
هذه مصيبة كبرى نحتفي بها، فتعدين الذهب أو اللهاث خلفه وبالطريقة التي تتم بها بواسطة أفراد ومجموعات لا تعرف حتى القليل عما يقومون به هو في حقيقة الأمر كارثة بيئية إنسانية ووطنية كبرى، فقلوبنا مع المتضررين الذين يعملون في هذا المجال إذ أن بعضهم يموت تسمما بأول اكسيد الكربون أو غرقا فى ثانى اكسيد الكربون داخل الآبار «وهذا تحليل شخصى لبعض الأنباء التى ترد وبالصورة التى ترد بها فى الصحف المحلية» والبعض الآخر من العاملين يفقد عافيته وربما حياته بفعل الغبار والأمراض الأُخرى الناتجة عن الوضع الصحي البائس حول المناجم، بالاضافة الى التسمم بالزئبق الذى يتعرض له بعض العاملين وغيرهم فالزئبق من السموم التى تتراكم فى الجسم ولا يمكن التخلص منها .
أما الخطر الاكبر الذي يتعرض له العاملون ومواطنو كل المناطق المجاورة، وربما في نهاية الأمر معظم أهل السودان فهو التسمم بمادة السيانايد «Cyanide وهي ماده عالية السمية وعليه يمكننا أن نتصور ما يمكن أن يحدث اذا ما انتقل هذا السم مع الغبار والرياح الى المناطق المجاورة وإلى المياه الجوفية أو السطحية بواسطة الأمطار والسيول ومعها الى الأنهار، فالنتيجة حتما كارثة محققة، فهلا توقفنا قليلا وتركنا الأُمور لجهات ذات دراية، فهى أكبر من أن تترك لمنقبين عشوائيين أو رأسمالية طفيلية و شركات مشكوك فى نواياها ومقدراتها.
قلوبنا وأقلامنا مع أهلنا فى شمال السودان وغربه ووسطه وشرقه فإنهم محقون اذا ما عارضوا وقاوموا مثل هذه المشروعات العشوائية القاتلة والمدمرة بيئيا بصورتها الراهنة.
ويجدر بنا كذلك أن نكرر مخاوفنا على الآثار وتاريخ هذه الأُمة فى بعض مناطق التنقيب اذ أن بين التنقيب عن الذهب بواسطة بعض الجهات والتعديات الخطيرة على الكنوز الأثرية خيطا رفيعا لا يكاد يبين.