الحكومة الجديدة والتحديات العديدة «1»

بهاءالدين-مكاوياعلن في الايام القليلة الماضية عن التشكيل الوزاري الجديد بعد ختام مؤتمر الحوار الوطني ، وبرزت الى الوجود حزمة من الاسئلة المهمة والمشروعة مثل : ما الذي تنوي الحكومة «الجديدة» فعله؟ هل سيشهد السودان تحولات حقيقية، استنادا الى مقررات الحوار الوطني بحيث تطال الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتعليمية والفنية والرياضية وسائر أوجه الحياة في السودان؟ وهل لها برنامج محدد ومتفق عليه تسعى الى تنفيذه؟ أم ستمضي كالحكومات السابقة «رزق اليوم باليوم»؟ ما هو برنامج الحكومة «الجديدة»؟ ما هي أولوياتها؟ من أين ستبدأ؟ وأين ستنتهي؟ ما الفرص المتاحة أمامها؟ وما التحديات التي تواجهها؟ كيف ستتعامل مع قضايا الواقع السوداني الملحة وازماته المعقدة والمتشابكة والمزمنة؟
هذه التساؤلات هي حق اصيل للمواطن السوداني، فمن حقه أن يعرف الى أين تتجه الأمور؟ وما هي خطط وسياسات حكومته، لانه المستفيد اذا نجحت الحكومة، وهو الخاسر اذا فشلت، ولان الشعوب الحية الواعية المنفعلة بقضايا وطنها لا تنتظر الاشارة لتعطي رأيها في مستقبلها ومصيرها، بل تبادر هي بأبداء رأيها في كل قضية قومية مطروحة لا تألو في ذلك جهداً ولا تدخر وسعاً، والحكومات الرشيدة الصالحة هي التي تشجع المشاركة الشعبية وتستأنس برأي الجماهير وتفتح أبوابها لتلقي اراء المواطنين ومطالبهم وشكاواهم، وهي تتيح لجماهيرها فرص التعبير الحر حول قضايا الوطن وتسعى للتعرف على اتجاهاتهم وارائهم حول ما اتخذته وما سوف تتخذه من سياسات واجراءات. وأن تقرر، وتصوب، وتراجع، و«تتراجع» حسب التغذية الراجعة «Feed Back» من الشعب.
تجئ هذه الحكومة في ظروف مختلفة تماما عن كل الظروف والمراحل التي مر بها عهد الانقاذ ، لقد تعرضت الانقاذ منذ مجيئها للسلطة في العام 1989م الى ضغوط سياسية وحصار اقتصادي قل نظيره، فقد جاءت الى الوجود «والدهر كهل»، فالاتحاد السوفيتي يتهاوى ، والنظام الدولي «الجديد» بقيادة الولايات المتحدة يتشكل، والحديث عن «نشر الديمقراطية» ومحاربة الانظمة العسكرية يملأ الافاق، ولم تلبث الا قليلا حتى اندلعت حرب الخليج، واتخذت حكومة الانقاذ موقفا اثار عليها دول مجلس التعاون الخليجي وكثير من الدول العربية الاخرى، لتدخل في مرحلة من المقاطعة العربية بسبب هذا الموقف استمرت لعقود من الزمان ، وتكالبت على السودان دول الجوار الافريقي بدعم من الغرب لمحاصرته واثارة النزاعات والحروب في اجزائه المختلفة ، ثم جاءت المقاطعة الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة منذ العام 1996، وكذلك دول اوربا الغربية ، واحكم عليه الحصار بطريقة لم يشهدها العالم من قبل ، كما لعبت المؤسسات الدولية دورا كبيرا في تضييق الخناق على السودان ، واصدرت هذه المؤسسات عشرات القرارات التي تدين السودان ، وتم تشويه صورة السودان في كل المحافل الدولية والاقليمية.
لقد اضر الحصار الاقتصادي بالسودان ضررا بالغا، فانهارت البنيات الاساسية للبلاد، وتعطلت مشاريع الانتاج ، وانتشر الفقر والبؤس والمسغبة في كل انحاء البلاد ، وعمت الصراعات والحروب كل اجزاء السودان ، وغدا على كل لسان ، وتصدر نشرات الاخبار مثالا للفقر والصراعات والفشل التنموي ، وكل ذلك بسبب الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية والتشويه الاعلامي .
الا ان العام 2016 شهد تحولات عميقة في علاقات السودان الخارجية ، فقد تحسنت علاقاته بدول الخليج فجأة وبسرعة لم يتوقعها احد وذلك بعد اغلاق السودان للمراكز الثقافية الايرانية بالخرطوم ، ثم قطعه للعلاقات مع ايران بعد حادثة الاعتداء على السفارة السعودية بايران، ومشاركته في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين ومليشيات الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
كما شهدت نهاية عام 2016 اعلان الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما في اواخر ايامه في الحكم عن رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان لمدة محددة توطئة للرفع النهائي للحظر والذي يتوقع ان يعلن عنه خلال الفترة القادمة. كما تحسنت علاقات السودان بدول الاتحاد الاوربي بصورة غير مسبوقة خلال عهد الانقاذ. كما استطاع السودان خلال السنوات الماضية توثيق علاقاته بالدول الافريقية والتي كان لها موقف تاريخي من محكمة الجنايات الدولية ومساند للسودان.
لذلك تجئ هذه الحكومة في ظروف مواتية الى حد كبير، ولئن عذر الشعب السوداني الحكومات السابقة وتخندق معها في خندق واحد يجابه الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية الدولية والاقليمية، فلن يعذر الشعب السوداني هذه الحكومة، فعلى عاتقها تقع مهمة استكمال الانفتاح على المجتمع الدولي والعالم العربي وافريقيا وكل دول العالم الاخرى، وعليها تقع مهمة الاستفادة من الفرص الجديدة التي لاحت في الافق سواء كان ذلك في الجانب الاقتصادي او السياسي او الثقافي.
هذا لا يعني ان الطريق امام الحكومة الجديدة مفروش بالازهار والورود ، بل تواجه هذه الحكومة عدداً من التحديات الجوهرية التي لا بد ان تتصدى لها بعزم واصرار مثل: تعزيز الوحدة الوطنية، والتصدي للمشاكل الاقتصادية المستعصية، ومواجهة الفساد السياسي والاداري والمالي، والتصدي للمشاكل الاجتماعية الخطيرة في المجتمع السوداني، وإصلاح النظام التعليمي، والسعي لإعمار علاقات السودان الخارجية، وهذه مجرد نماذج للتحديات التي يتوجب على الحكومة التصدي لها.
ولكي تنجح الحكومة في التصدي لهذه التحديات، لا بد لها من ان تنطلق من رؤية واضحة لهذه التحديات والاشكاليات العميقة والمتجذرة والمعقدة والمتطاولة بطريقة علمية مدروسة بعيداً عن العشوائية والارتجال، لأنها تواجه قضايا مصيرية معقدة في مرحلة تاريخية فارقة من عمر الوطن ، لا تحتمل التخبط والتجريب ، فاما تخطيط علمي بمنهجية واضحة يؤدي بنا الى معالجة أوجه الخلل في الجوانب المختلفة ، ويفتح لنا طريقاً نحو التقدم والنهضة ، واما تخبط يوردنا موارد الهلاك، ويقودنا الى هاوية سحيقة ليس منها خروج. ولكن ما الذي يتوقعه الشعب من هذه الحكومة؟
لا شك إن توفير احتياجات الناس الاساسية ودعم الطبقات الفقيرة هي القضية الاولى في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن ، اذ تعيش البلاد ازمة اقتصادية طاحنة عجزت معها الدولة عن توفير الخدمات الضرورية للمواطن ، وعجز المواطن عن تدبير أموره الحياتية بمعزل عن الدولة.
إن على الحكومة أن تتصدى بعزم وهمة للمشكلات الاقتصادية التي تواجه المواطن، لأن شرعية الحكومة في نظر الشعب ترتبط بقدرتها على التصدي للمشاكل الاقتصادية التي تواجه المواطن أكثر من أي شيء آخر، وعجزها عن حل هذه المشكلات والتصدي لهذه الازمات سيكون خصماً من رصيدها الشعبي، دون ادنى شك.
يقول الامام علي كرم الله وجهه «الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير» ، ونعتقد ان فرصة ثمينة قد لاحت في الافق في الاونة الاخيرة لمعالجة المشكلات الاقتصادية في السودان وذلك من خلال تسهيل وتشجيع الاستثمار الخليجي في السودان في المجالات المختلفة، فدول الخليج العربي ورغم امكانياتها المالية الكبيرة، تسعى جاهدة للحفاظ على احتياطياتها من النقد الأجنبي خاصة بعد انخفاض أسعار النفط، وتعمل على خفض وارداتها بشكل عام ، ومن الممكن أن يكون السودان بديلاً لهذه المنتجات المستوردة. و كان تقرير صادر عن الامانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي قد دعا الى اهمية ان تغتنم دول الخليج الفرص الاستثمارية الناجمة عن انخفاض اسعار النفط والمتوفرة في عدد من الدول ذات الاقتصادات الناشئة، ودعا التقرير الى «ابرام شراكات استراتيجية في مجالات الانتاج الزراعي والصناعي، والتوجه نحو اقتصادات عربية واسيوية للاستفادة من مواردها الزراعية والحيوانية والصناعية عبر استثمار الفوائض المالية التي حققتها دول المجلس في السنوات الماضية».
وكانت القمة العربية بالرياض قد تبنت في مطلع العام 2013 م ، مبادرة الرئيس البشير لتحقيق الأمن الغذائي العربي عبر توفير السودان لفرص واعدة للاستثمار في مجالى الزراعة والثروة الحيوانية. هدفت المبادرة الى « تعزيز الأمن الغذائي العربي، من خلال توفير مخزون استراتيجي آمن من السلع الغذائية الاستراتيجية يحول دون نشوء أزمات غذائية مستقبلية، بالاضافة الى الحفاظ على استقرار أسعار المواد الغذائية «. وارتكزت المبادرة على أن يقوم رأس المال العربي بدعم البنى التحتية للمشروعات التي تتعلق بالمبادرة، ويقوم السودان بتوفير الأراضي والمياه. هذا اضافة الى تنسيق الجهود العربية لتطوير إنتاج المحاصيل الرئيسة من الحبوب والمحاصيل الزيتية والسكر واللحوم، كما دعت المبادرة الى توحيد التشريعات القانونية في مجال الاستثمار في الدول العربية بما يسهم في جذب المستثمرين والعمل على تكوين قاعدة معلومات استثمارية موحدة، واستقرار سعر الصرف، اضافة للاستفادة من التجارب الاستثمارية الناجحة، ومعالجة العقبات التي تواجه الاختلاف في التشريعات القانونية بين الدول العربية، مع تشجيع إنشاء شركات للنقل البري والبحري لتعزيز التجارة البينية بين الدول العربية.
وللسودان ميزات كبيرة تجعله قبلة للمستثمرين العرب والأجانب التي تتمثل في موقعه الاستراتيجي المهم وموارده الطبيعية الهائلة والمتمثلة في الأراضي الخصبة الشاسعة والمياه الوفيرة والثروة الحيوانية الكبيرة، فضلا عن المعادن والمتمثلة في الذهب ،والكروم، والمنغنيز، واليورانيوم، والفضة، والنحاس، والكبريت، والزنك، والرصاص ،وغيرها من المعادن، بالإضافة الى تنوع مناخاته وتوفر العمالة القادرة على الإنتاج.
لكن الاستثمار يحتاج الى البنية التحتية التي تجذب وتشجع المستثمر الاجنبي على الاستثمار، بالإضافة الى توفر البيئة التشريعية والعدلية التي تشجع المستثمر الأجنبي، لأن هذه البيئة التشريعية والعدلية بمثابة صمام أمان فيما يتعلق بحفظ حقوق الطرفين سواء أكانت الدولة أم المستثمر الأجنبي، وتوفر له الضمانات القانونية والحماية اللازمة التي ينشدها، وتكفل له الطمأنينة ضد المخاطر غير التجارية، لذلك لا بد من التوسع في منح الضمانات والمزايا التشجيعية للاستثمار الأجنبي.
وبالتالي لا بد من الإسراع في تطوير قوانين الاستثمار، ومعالجة كل اوجه القصور في الاجراءات المتعلقة بالاستثمار، والارتقاء بالبنية التحتية، وقبل كل شيء ضبط قضية الرسوم المتعلقة بالاستثمار والموظفين المسؤولين عن هذه الملفات. كما لا بد من الإسراع في توفير المعلومات التي يحتاج لها المستثمر في المواقع الالكترونية للوزارات السودانية ذات الصلة، ولا بد من تحديثها باستمرار.
لذلك نرى ان على وزارة الخارجية ووزارة الاستثمار واجبات كثيرة ومهام عظيمة خلال المرحلة القادمة، ويجب ان تتضافر جهود كل اجهزة الدولة من اجل مساعدتهما في الانفتاح على الخارج، وتشجيع وتسهيل اجراءات الاستثمار العربي والاجنبي، وان يعطى هذا الموضوع اولوية كبيرة لان النجاح في هذا الجانب، يتيح الفرص للنجاح في مجالات اخرى.