التشكيل الوزاري .. من بيده القلم .. لا يكتب نفسه شقياً!!

mahfoozولا زال التشكيل الوزاري لحكومة الوفاق الوطني محل تحليل وتنقيب من قبل أهل الصحافة ومراكز الاختصاص ، ويبدو ان أمر التشكيل الوزاري ينظر اليه الجميع بأنه نتاج لمؤتمر الحوار الوطني الذي استمر اكثر من (63) شهرا في ستة محاور وخلص في النهاية الى وثيقة وطنية تعاهد عليها المتحاورون بأنها خلاصة هذا الحوار وتم الاتفاق على حكومة عريضة تمثل طيفا من اهل السودان تكون مهمتها تنفيذ مخرجات الحوار حتى نهاية أمد هذه الحكومة التي اجلها في 2020م حيث تتنافس القوى السياسية في انتخابات حرة وكما قيل في المثل السوداني (الحشاش يملأ شبكتوا).
وما دلق من احبار او من كلمات في تحليل تكوين الحكومة والتي جاءت بعد مخاض استمر (63) يوما لم يستوعب مفارقات وغرائب في امر تكوين حكومة الوفاق الوطني ، والكل يعتقد ان هذه الحكومة هي نتاج لكل هذه المشاورات ان كانت في دهاليز الحكومة او في دهاليز اخرى خارج السلطة ، ومن غرائب هذا التكوين انه لم يعجب الكثيرين من داخل القوى السياسية نفسها وخرجت تصريحات كثيرة من قيادات تلك الاحزاب والحركات تستنكر أمر هذا التكوين ، وقد جاءت النظرة الشخصية والمصلحة الخاصة هي الاعلى نبرة من المصلحة العامة ، والتي من المفترض ان تكون هي المقدمة لحالة اصلاح الدولة او البلد ووضعها في الاتجاه الصحيح للمسار الذي ينهض بها الى مرافيء الاستقرار والنهضة .
وقد يكون التنافس بين القادمين و المغادرين مجلس الوزراء من كل القوى السياسية قد اشعل فتيل تلك التصريحات ، وزاد من كيل الاتهامات بين تلك القيادات التي تدير الامر وتتشاور مع رئيس مجلس الوزراء القومي وبين القيادات التي ترى نفسها اولى من الاخرين في انفاذ الامر ومن هنا تظهر الاحتجاجات ، وحالة الغضب حالة اعلان الاسماء ، ولعل اولى تلك الحالات كانت من حزب المؤتمر الشعبي والذي اعلن اسماء المشاركين في الحكومة وفي المجالس التشريعية ان كان في المجلس الوطني او في مجلس الولايات ، وكانت اولى حالات الغضب والاحتجاج كانت من نصيب الاستاذ كمال عمر الامين السياسي للمؤتمر الشعبي والعضو البارز في مؤتمر الحوار الوطني رفضه قبول اختيار الحزب له عضوا بالمجلس الوطني بدلا من الجهاز التنفيذي كما كان شائعا في الصحف والاسافير كوزير للعدل ، ولكن يبدو ان كمال عمر راجع نفسه وحساباته وقبل بترشيح الحزب بعد ان قدم استقالته كأمين سياسي للحزب ، ويبدو ان الامين العام للشعبي حزم الامر ويعين الامين عبد الرازق امينا سياسيا بدلا من كمال ولو تمادى كمال لتم استبداله من قائمة البرلمان وعلي الحاج ان عضوية الحزب جنود وعليهم طاعة اولى الامر ، ولكن كمال عمر انحنى للعاصفة وقال انه سيواصل معركة الحريات من داخل البرلمان ، وليس كما تمنى من داخل مجلس الوزراء.
ويبدو ان التشكيل الوزاري لا تنتهي حكاياته ويبدو ان اللجان الحزبية وضعت نفسها في مقدمة الترشيحات لتكون من اصحاب المقام في التشكيل الوزاري الجديد ، وان هذا الامر لم تستثن منه شخصيات الحوار الوطني او حتى حزب المؤتمر الوطني.
المؤتمر الوطني قدم حامد ممتاز وياسر يوسف وفيصل وابراهيم محمود باعتبارهم اكثر ظهورا اعلاميا بحكم مناصبهم في المركز العام واقرب في ادارة لجان الحوار وهم قدموا انفسهم في هذه المواقع واحتفظوا بها دون غيرهم .والمؤتمر الذي يفاخر بعضويته من ناحية الكم والكيف لم يجد منها وجوها جديدا يقدمها لهذه الوزارة غير هؤلاء ،وقيل ان المسؤول الكبير حول احدى قريباته من الوزارة الخدمية ذات الصراعات والتقاطعات الى وزارة في طبيعتها اقرب الى الخارجية والمالية ، واذا كان المؤتمر الوطني الحزب صاحب الخبرة والتجربة والممارسة كان حاله مثل الاخرين فما الفائدة؟.
وكان الحال هو كما رأى الجميع فان الوضع في الحزب الاتحادي الاصل لم يكن بعيدا عن الوطني في ذات العقلية وربما هذا يقودنا لاحد اسباب تأخر التجربة السياسية في السودان ، بسبب العلاقات التي تتحكم في مسير الاشياء ، فقد بدا وزير الارشاد والاوقاف السابق عمار ميرغني متضجرا من الطريقة التي بها اختيار وزراء الحزب في حكومة الوفاق الوطني ، حيث اتهم اللجنة التي كونها مولانا الميرغني انها قد وزعت المناصب فيما بينها واحتفظ احمد سعد عمر بمنصبه وزيرا في مجلس الوزراء واحتل حاتم السر وزارة التجارة، تم ابعاد الدكتور جعفر محمد عبد الله من وزارة الثروة الحيوانية ويجيء بابراهيم الميرغني في الاتصالات، واذا كان بعض من قيادات الشعبي لم يعجبه الامر وكذلك بعض قيادات الوطني وكذلك بعض من قيادات الاتحادى الاصل فان قيادات الحوار الوطني والتي ترى انها صاحبة (العجينة) لم تنس نصيبها من (الكيكة) فقد جاء كبيرهم البروفسيور هاشم علي سالم في المعادن وجاء بشارة جمعة ارو في الثروة الحيوانية ، وحتى عبود جابر سعيد تخلى عن الجلابية والعمة التي عرف بها في مجلس الاحزاب الوطنية واستعاض عنها بالبدلة بعد ان نال منصب وزير دولة ، ووضح من هذا الامر ان الذين بيدهم القلم لم يكتبوا انفسهم اشقياء ، ونالوا حظهم من الوزارة وشتتوا باقي عضويتهم في المجالس التشريعية ان كانت مركزية او ولائية ، ويبقى هذا الامر في حد ذاته ان كان ظاهريا فقد خفف العبء على رئيس الوزراء في مسألة الاختيار الا انه اضاف زادا من ثقل التجربة وخفض من مسيرها وقلل من حظوظ نجاحها باعتبار ان هذه الوجوه ليست وجوه هذه المرحلة باعتبارها انتقالية ، وان معظم هذه الوجوه من التي اخذت اكثر من دورة خاصة في الوطني وكان يجب ان تغادر بحكم المدة وليس بحكم الجغرافية .
فان كان قد ظهر تضجر الشعبي ثم الوطني ثم الاتحادي الاصل ، من هذا التشكيل الوزاري فان أمر التعديل فيه سيكون قريبا اذا طرق هؤلاء المتضجرون قويا على منضدة رؤساء احزابهم ، وان هذا التشكيل ربما لا يكون الامثل في نظر هؤلاء.