روايات خاصة : عبده وعودة الروح

420«1»
مررت متعجلاً في زحام المشفى، أكوام البشر تتراص، وعلى الوجوه كثير قلق وإشفاق وشحوب ، تقاصرت دون علاجهم مراكز نائية ، جاءوا غرباء المكان، والحال يكشف عن التفاصيل ، صغير يبكي في حضن أمه ، وكبير يصرخ في دواخله يعتصر الألم ويقاسي أهوال هذا المكان الموحش رغم الزحام ، وصفارات إنذار تشير الى قادم جريح صرعه طيش سيارات طائشة ، أو قتيل في لحظة عقل غائب ، أسرعت أبحث عن ملامح أعرفها، أتخطى المعابر وأتجاهل نداءات الحراس وتحذيراتهم، ومنعت عقلي عن التفكير، حاولت تجميد كل محاولة للتصور والتخيل، فقط أريد أن أرى كل شيء واقعياً.
منذ الصباح ، أنتظر سيارات الإسعاف القادمة من هناك تحمل هذا الصبي، وكل إفادة تبدو أشد قناعة وأكثر اختصاراً من سابقتها وتوقفت حين قالوا في «غيبوبة» ، وجهاً لوجه وفي وسط الصالة كان هناك ، كأنما المشهد تم إعداده لزيادة حيرتي وغليان الدم يتصاعد الى رأسي ، أطباء ينظرون ويذهبون دون كلمة ، والأب وقف فحسب ، ثلاثة أيام أمضاها «عبده»، وجسده يتحول الى الشحوب وشفاهه تتيبس، وأنبوب يصل قطرات من الماء الى جوفه عبر أنفه ، بصره مشدود الى السقف ، وأرجله ممدودة ورائحة الموت في كل الزوايا ، تحول ابن الست سنوات الى ملامح كهل ، لم أنبس بكلمة ، ومددت يدي أصافح دون أن تتحرك شفاهي ، فقد خشيت أن أفقد رباطة جأشي إذا خرجت كلمة ممزوجة بحشرجة ، فقد اختنقت بالعبَرة ، واكتفيت بدفع النقالة الى «الأشعة » وتحولت الى آلة منزوعة المشاعر ، انتقل من فحص الى آخر ، ومن أشعة الى تصوير الى معمل ، وتعايشت مع الحالة فحسب.
«2»
قال: كنا نحمله على ثوب، والدماء تتدفق، من كل أجزائه العليا، من الأنف، والفم، ومن الأذن، وأتعجب هل تدفق الدم من الأذن؟ ربما اختلط عليك الأمر، يا أخي؟ ويجدد تأكيداته الحادة، قلت لك من الأذن ومن العين وانتظرنا موته، ووالده كان صابراً ولكنه حاسماً ، كان ثابتا مثل الجبال لم يرتج أو يجزع ، سنذهب للمستشفى.
وتفسيرات شتى وآراء متعددة و«روشتة » دواء ، ورأي طبي حاسم «لقد تحطمت الجمجمة» ، و«ممرضة» تنظر بصمت وتذهب بهدوء ، والحالة تتراجع والموت يلتهم ببطء جسد «عبده».
قبل ثلاثة أيام، كان الصغير هناك يجاور والده على ذلك «التراكتور»، يعبث بمرح «بالدريكسون»، وفيه حيوية عجيبة وحلاوة طبع وبريق ذكاء في وجهه وقوة إرادة، كان «عبده» يحدد متى ينام ؟، ومتى يذهب للمدرسة ؟، وأي شاة تُحلب وماذا يريد؟..
«عين وأصابت» تجدد عمته في روايتها ، وفجأة سقط التراكتور في مطب ، علت الأجساد في الهواء واضطربت القبضة وتهاوت وسقط «عبده»، وتعفر في التراب والطين ، وضغط إطار التراكتور على «جمجمته »، «لا.. لا.. فقط طرف الإطار على جبهته » «على طرف وجهه »، ونافورة من الدم وغيبوبة ، وحيرة.
«3»
نظر الطبيب الى ببرود، وتمتم «ما في شيء» وشرع في كتابة «روشتة» ، وأمامي على نقالة يرقد خيال «عبده» بلا حراك، وقد التصق الجلد بالجسد وتحول الى هيكل يثير الخوف، وبعيداً جلس والده يرقب المشهد، لم ينم ثلاثة أيام، إستحال لونه «القمحي» الى سمرة شديّدة ، تمعن الطبيب مجدداً، وأضاف «سينجو وربما يصاب بشلل نصفي» ، هززت كتفي ولزمت الصمت ، كان بصيص أمل ، «الجمجمة سليمة ، والدم تجمد في جبهته ، وتدفق الدم أنقذه ، لو أن الدم تدفق من أذنه يكون نخاعه الشوكي قد تأثر ، ولكنه سليم » .. ودفعت بقايا الجسد وصعدت الى العناية ، لقد رأيت الأرض تعود للحياة وتهتز بعد موت ، وتنبت الخضرة والنماء والآن أشهد حياة جديدة تعود نبضاً ونبضاً ، ولمحةً لمحةً .
تتداعى كل هذه التفاصيل الى ذاكرتي اليوم، ومن خلال النافذة أنظر الى شاب بذات الملامح. يداعب طفلته، إنها مدار حياته كلها، في الأصيل، وفي ضحى الأيام المعاصرة، يجلس هنا ينحني عليها، ويتحدث ويضحك.. بين الأزقة تجده هناك دوماً ، في العصاري وفي الضحى ، وفي الأيام المطيرة ، على سرير «هبابي» يجلس وينكفيء ويتحدث ويضحك ، إنه ارتباط عميق ، سبحان مغير الأحوال، تكتب حياة جديدة، وتغادر حياة أخرى.
«4»
كان ذلك أول الخريف، وخضرة تملأ الأفق، كانت دماء «عبده» تختلط مع الطين والوحل، وتشكل علاقة خارقة، واليوم نضجت السنابل واللون الذهبي يعانق أشعة الشمس، وسيارتنا تخترق المسافات والطرق ، والأعين تترقب ، كنا نرافق أعجوبة ، والنساء تحلقن على جانب الدار، والرجال يقفون على الطرقات وبعناد نرفض الوقوف ، وتزدحم الدار، لقد حملوه على طرف ثوب، والآن يعود، بعد ثلاثة أشهر وفي ذهن كل واحد منهم حكاية ، عشرون شهدوا الواقعة ولكل واحد منهم رواية لا تتطابق مع أخرى، والمئات زاروه هناك ، والقليل منهم كان يحمل بصيص أمل أن يعود بين «عكازين» ، أو على إطار عجلة تدفع ، العيون تتلصص ، والأعناق تتعالى ، وجوقة الأطفال تتحلق ، كانوا أقرانه ، ويسبقهم في الدرس وفي السباقات وفي فصاحة اللسان ، وأخر مرة خرج ملفوفاً بخرقة تتدفق منها الدماء ، انتظرنا برهة ، نتمعن في الوجوه وعلى مد البصر تتقاطر الأفواج ، ومن مكان قريب يتعالى دخان مطبخ .
.. تدلت الأرجل النحيلة من السيارة ، وتعالت الهمهمات ، وتمهل ثم مد رأسه يستطلع المكان، وسرت شهقة ، ولحظة صمت ، ثم تعالت الزغاريد ، والصياح واللهفة ، لم يعد «عبده» ذلك اليوم فحسب ، بل عادت الروح للقرية وعاد الأمل ..
ذاك هو «عبده» ، وتلك صغيرته «منار»..