النميمة وترسيخ الحكي

تدوين نبأ محي الدين
من أبرز تجليات الألفية الثالثة، واحد المفاتيح العضوية للتحول الاجتماعي الهائل الذي نشهده، هي إعادة إنتاج النميمة وتنميقها وتأصيل تعاطيها في كل سرادق الحياة اليومية.
إن حاجة الإنسان إلى النميمة تعادل حاجته للبقاء، ففي أشد حالاته مسالمة يحتاج الإنسان إلى عدوٍ متخيل حتى ينتصر، ذلك العدو الذي لا يتحقق الإنتصار في غيابه، حتى ولو كان العدو ذاته المقهورة التي تحول نجاحه إلى معادل موضوعي لفشل الآخر المنافس! المنافس المتّخيل.
ما يؤدلج النميمة ويستعيض بها عن الحوار الذي تتكشف وراءه طبقات محتجبة عن الذات أولاً وعن الواقع، هي عدة بطالات نعيشها دفعة واحدة، على رأسها البطالة السياسية التي تغيب الفكر السياسي وديناميات العمل به لصالح النميمة التي تتجلى في الشخصنة والإنشغال بالأفراد والأفعال، مهملة المنطلقات والدوافع، فأصبحت علاقتنا مع العمل السياسي علاقة أبوية، جعلتنا أقرب إلى السكان من الشعوب، لذا تأخر النضج السياسي للمجتمعات بتأخر الذكاء العاطفي للعلاقة بين الفرد والسلطة.
على صعيد إجتماعي، فإن الشفافية الممنوعة في كل شئ، تصبح شرعية ومبشراً بها عندما يتعلق الأمر بالتلصص على الآخرين وانتهاك خصوصياتهم، لذا فإن الإعلام الأقرب إلى الإبتذال «كبرامج الواقع» و «فضائح المشاهير» و «الصحافة الصفراء» ، هو أكثر إجتذاباً للجمهور لاستوثاقه بأدبيات النميمة والسرية في التداول!
البطالة المعرفية لا تقل دوراً في التغيير، فتكريس الإنتماء السطحي العميق، على شاكلة الرموز الدينية والفنية والسياسية والرياضية وأنماط كثيرة من الصور الذهنية للأشياء المستهلكة، باعدت الهوة بين المعرفة والإنتماء، الذي بدوره ولد فراغاً ملائماً لاستفحال النميمة المعرفية، أخطر أثراً على الإنسان، ومن باب ذلك نعرف فضائح وأسرار كثيرة عن رموز وكُتاب وشعراء ولا نلتفت بخطوة واحدة للظروف المحيطة بتلك القصص، بل بصورة أكثر تراجيديا، قد لا نعرف كثيراً عن الشخص صاحب السر الذائع غير اسمه وما قام به من عمل، أما من أمثلة الإنتماء السطحي العميق، هو الإنتماء لمؤسسات ونظم لا نعي غير تبعيتنا لها شيئاً وهو ما يجعلنا أرضاً خصبة للصراعات بمختلف مستوياتها منطلقة من ذاتنا كفاعل، ومن أرباب تلك المؤسسات فنغدو مفعولا به، أول وثانٍ ومطلق، لأفعال لازمة وأخرى متعدية.
إننا نعاني نزعة فضائحية يسيل لها لعاب المتلقي للمعلومة في كل أوجه الحياة، وما أجج تلك النزعة وعظم دورها في المناخ الإجتماعي والسياسي لمجتمعاتنا، هو التداول المفرط للمعلومة، والالتصاق القريب من الأخبار بسبب التكنولوجيا الاجتماعية بكل أدواتها.
ثقافة القرن الجديد هي بلا شك ثقافة النميمية بعدة مقاييس، فهي ثقافة تنبذ الظواهر لصالح الشخصنة، وتحليلها لصالح الحكي والسرد، لذا ننشغل أو نُشغل بالأصح بمجريات الأحداث دون النظر في الظروف الإجتماعية والنفسية التي أدت إلى نشوئها، كظاهرة التطرف الديني من باب المثال لا الحصر.
يأتي فائض النميمة من فائض الجهل، ويتمدد ليشكل مستويات غير منظورة في الحياة، ويكمن خطر استفحالها، في أنها حينما تسيطر على مناخ ما، فهي تستبدل الحوار، بكل مستوياته، إلى ما هو أدنى منه، والمواجهة بالتستر، ويصبح الهمس بديلاً مشروعا للصوت الجهوري تماماً حينما يسطو ضمير الغائب على الضمائر أجمع!
نحن نعيش جملة من الكيانات الملفقة ملقاة في ماضٍ لم يمض بعد، و كنَه مستقبلٍ غامض، وبعضها في نصف «ثالث» هو هذا المتورط في الراهن، فأدت إلى شيزوفرينيا متعددة التجليات حرقت مراحل كثيرة في التطور الإجتماعي للفرد الذي ينعكس بدوره تلقائياً على المجتمع.
تصبح أيدلوجيا الحكي، إن صح تسميتها بذلك، في أشد حالاتها خطورة عندما تحول الإنسان إلى متذرع، ويكمن خطر ذلك في توفر البديل المتحمل للأخطاء دائماً، أو أقلها الأفعال، فيلغي بذلك أدوارا كثيرة منوطة بالإنسان، تجعله عهدة للانسحاب المتكرر، وفي أشد حالاتها سلمية تجعله خاملاً نحو التغيير لعلمه أيضاً بأن هناك بديلاً متوفراً، وهذا ما يمكن أن يترجم سياسياً بوأد الثورات الذي هو في الأصل وأد النزعة للتغيير والرغبة في مفارقة السكون المسالم على حد تعبير الذات المتوجسة.