صرخة ذكرى

لم يكن هذا الصباح يبدو مختلفاً عن غيره وأنا أمد يدي مغمضة العينين لأوقف المنبه الذي واصل معي فعله القبيح تذكيري مواعيد صحوي وذهابي للعمل وانتابتني رغبة ملحة في مواصلة النوم لكني عاندته بقوة ووجه مديرتي الشرسة التي تكرهني بدا لي واضحاً.
نهضت متثاقلة وأنا أخطو نحو «الراكوبة» التي تتوسط البيت والتي تجلس عليها جدتي لأمي وهي رفيقتي الدائمة والوحيدة في السكن منذ وفاة أمي التي لحقت بأبي الذي تركني ببطن أمي، فتفقدت المرأة السبعينية العمر بطيئة الحركة وهمهمت مستاءة من عدم وجودها وأسرعت أبحث عنها وأنا خائفة فتحت باب منزلنا والتوتر والقلق يسيطر علي طرقت باب الجيران ناديت فجاوبني الصدى وولجت المنزل كان خالياً من ساكنيه وممتلئا بالغبار بدأت تنتابني الدهشة هل هبت الأتربة بالأمس خرجت عائدة إلى الشارع ولأول مرة انتبهت انه كان خالياً تملكتني حالة من الخوف فتوجهت إلى جارتي اليمنى وجدت بيتها كبيت جارتي الأولى خرجت متجولة في المنازل والشوارع والأزقة وتوقفت مذهولة طفت ببصري كل الاتجاهات هل أنا بهذه المدينة التي كانت تضج بالحياة أين ذهب الناس؟
ربما هم لا يزالون في حفل استقبال الأميرة التي زارتنا بالأمس لكنها عادت وكنت في وداعها بالمطار أين هم؟
هل ماتوا جميعاً؟
لكنه لحظة..م
وإن كانوا ميتين جميعاً فمن الذي قبرهم وأين؟
وهل أنا نمت كل هذه المدة؟
هل صرت كأصحاب الكهف؟
لا..!
صرخت كهذا بعلو صوتي عندما طاف بخاطري سؤال!
ربما أنا الميتة!
هل كهذا يبدو الموت؟
هل هذه الوحشة التي يتحدثون عنها؟
لكن لا أذكر اني مت فقد عدت وتوضأت وغلبني النعاس وقررت أن أصلي العشاء بعد أن أغفو قليلاً.. فجأة تنبهت!
هنالك صوت يأتي من بعيد وفرحت لست لوحدي.. وتساءلت هل صوت مديرتي البشعة أيختفي كل العالم وتبقى هي؟
لكن ماذا لو كان هذا هو الوحش الذي يأخذ الناس من مدينتي حتى أفرغها؟
ها هو يقترب وأنا أخاف!
أنا أرى وجهه ولا أقوى على الإلتفات..
ها هو يقترب..
أسمع صوت أقدامه أريد أن أهرب ولا أستطيع..
ها هي أنفاسه تلفحني سيأخذني..
سيقتلني.. سيهلكني..
يده على كتفي يهزني بقوة قائلاً: يا بنت.. يا بنت.. يا ذكرى
قولي بسم الله.. وقلت بسم الله يا جدتي لقد راودني حلم أشبه بقصصك وتذكرت حكاوي الطفولة عندما كنتي تقولين «النوم على معدة ممتلئة يأتي بالكوابيس» ربما عجباً يا جدتي يا له من كابوس.
*نادي القصة شمال كردفان