سورة وتفسير

quranقال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)
(الإسراء: 79).
) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)
أمر الله – تعالى – نبيه – صلى الله عليه وسلم – بقيام الليل بعد المكتوبة؛ كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: (صلاة الليل).
قال بعض العلماء: إن التهجد ما كان بعد النوم، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يتهجَّدُ بعد نومه.
وقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء، ويحمل على ما كان بعد النوم، واختلف في معنى قوله – تعالى -:  نَافِلَةً لَكَ
فقيل: معناه: أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدَك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة؛ لأنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وغيره من أمته إنما يكفِّر عنه صلواتُه النوافلُ الذنوبَ التي عليه.
وقوله (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا):
أي: افعلْ هذا الذي أمرتُك به؛ لنقيمك يوم القيامة مقامًا محمودًا، يحمدك فيه الخلائقُ كلُّهم وخالقُهم – تبارك وتعالى.
والمقام يوم القيامة الشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول مَن تنشق عنه الأرض، ويبعث راكبًا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمَن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وفي حديث الصُّور: (إن المؤمنين كلَّهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته)، وهو أول داخلٍ إليها، وأمَّتُه قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغُها أعمالُهم، وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا له، وإذا أذن الله – تعالى – في الشفاعة للعصاة، شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدَّتهم إلا الله – تعالى – ولا يشفع أحدٌ مثله، ولا يساويه في ذلك.
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاءً، كل أمة تتبع نبيَّها، يقولون: يا فلان، اشفع، يا فلان، اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – فذلك يوم يبعثه الله مقامًا محمودًا.
عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرَقُ نصف الأُذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول: لستُ بصاحب ذلك، ثم بموسى، فيقول كذلك، ثم بمحمد – صلى الله عليه وسلم – فيشفع بين الخَلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذٍ يبعثه اللهُ مقامًا محمودًا).
وعلى ذلك كله، فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصل لدرجة رفيعة – بإذن الله – بسبب قيام الليل؛ لذلك فإن قيام الليل يرفع المؤمن درجة عالية – بإذن الله تعالى – إذا استمرَّ على القيام بلا جزع أو فزع.