هكذا تكلم طه حسين لآخر مرة

427٭ في الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل عميد الأدب العربي طه حسين.. أصدرت مجلة صباح الخير عدداً خاصاً بهذه الذكرى بتاريخ الثامن والعشرين من اكتوبر عام 8002م حوى العدد الكثير المفيد عن الذي جعل التعليم كالماء والهواء مجاناً وفي هذه الأيام استدعيت ذلك العدد من بين ارشيفي لأعيد قراءته ونحن في السودان يشكل أمر التعليم هماً مقيماً لمتطلباته المادية غير المقدور عليها.
٭ استاذ رشاد بدوره استدعى وثيقة فكرية قال عنها انها نادرة وتحت عنوان للدكتور غالي شكري هكذا تكلم طه حسين لآخر مرة.
٭ كتب دكتور غالي شكري ( وحين ترجلنا من السيارة.. خالد محي الدين ولطفي الخولي وأنا كانت خطواتنا اليه تأكيداً لمعنى لا يغيب فأكثر الاتجاهات الفكرية امتداداً للرائد العظيم وتواصلاً مع نبعه الذي لا ينضب هو الاتجاه النابض بأحلام شعبنا إلى الحرية والتقدم.
٭ قال له لطفي الخولي كانت الفكرة يا استاذنا ان تقوم أسرة (الطليعة) بحوار شامل معك جميعنا تلامذتك بيننا المتخصصون في التاريخ والفلسفة والأدب والفن ولكننا حتى لا نرهقك ورغم ان هذا الاقتراح أمنية غالية فإننا سوف نكتفي بأسئلة غالي شكري.
٭ الذي استوقفني فكرة ان خالد محي الدين ولطفي الخولي وغالي شكري يجلسون إلى طه حسين في آخر ايامه ويديرون حواراً فكرياً رفيعاً ويكتفون ثلاثتهم بأسئلة دكتور غالي شكري.. جاء في الحوار.
٭ هناك عشرات الأعمال التي لم تر النور لأن الرقابة في أيامنا لا تسمح بالنشر إلا بعد الاطلاع وهكذا فليست هناك محاكمات كتلك التي شهدتها أيامكم لأن الكتاب لا يرى النور أصلاً ولولا التدخل الشخصي لجمال عبد الناصر لما ظهر كتاب (محمد رسول الحرية) لعبد الرحمن الشرقاوي الذي ابرق لسيادته بموقف الرقابة المتعنت ولولاه أيضاً لما ظهر كتاب في البدء كانت الكلمة لخالد محمد خالد الذي اتيح له ان يجتمع بالرئيس الراحل في منزله اربع ساعات ولكن عند الذين لم يبرقوا إلى رئيس الجمهورية ولم يجتمعوا به يتعذر الاحصاء وعدد الذين دخلوا من المثقفين السجون والمعتقلات يفوق التصور.. هكذا تجد أهم الكتابات المصرية طريقها للنشر في بيروت.
٭ موقف السلطة من حرية الفكر في كل زمان ومكان لا يدعو للارتياح تماماً أنه موقف نسبي تمليه إعتبارات طارئة ولكن الذي يدعوني للانزعاج هو المناخ العام هو الرأي العام.. يخيل لي في صومعتي أننا عشنا أنا وأبناء جيلي في مناخ أكثر سماحة وارحب صدراً فأنتم تقولون أحياناً ما سبق ان قلناه نحن بطريقة اوضح وأحياناً أخرى تقولون أقل عما قلناه إلى هذه الدرجة أو تلك ومع هذا فإني اسمع ضجيجاً عجيباً لم نعرفه نحن غالياً إلا حين اتهمت أنا بالمساس بالمقدسات وحين اتهم العقاد بالعيب في الذات الملكية وحين اتهم سلامة موسى (وهنا ضحك طه حسين من كل قلبه) بإلقاء قنبلة في سينما مترو.. الفكر لا يمكن مصادرته والعقيدة يستحيل سجنها والعنف يولد العنف.. افلا نرحم أنفسنا حتى نستحق رحمة الله وحتى يكون غيرنا أرحم بنا تلك هى النتيجة التي انتهت اليها معركة (في الشعر الجاهلي) وكل معارك الحرية في مصر وغيرها من الأمم لا سبيل لتخطئة الفكر بالعنف وإنما الفكر في مواجهة الفكر والحياة وحدها كفيلة بتصفية الضار وتنمية الحق والخير والجمال.
٭ أيام طه حسين عاشت في وجداننا لحظة لحظة غادرت في ضميرنا وحياتنا يأساً وأملاً كانت دليلنا إلى التخلف المميت في صعيدنا وريفنا بنخيله وأكواخه وقيمه وعاداته وكانت حافزنا لمعرفة سر (العبقري) الذي تحدى هذا الجدار الأصم المواجه للتقدم. كانت سلوانا في ليالي المحنة حالكة الظلمة عبرها حاولنا نكتشف سر النور الساطع الذي انبثق في رأس الصبي الصغير حتى هداه إلى دنيا واسعة الأرجاء لا يراها المبصرون.
٭ هذا الجزء من الحوار أهديه إلى أبنائي وبناتي الذين حرموا من نعمة البصر، وأهديه أيضاً للمسؤولين علهم يتعاملون مع حاجات المكفوفين والمكفوفات في فرص عمل هى من حقهم.
هذا مع تحياتي وشكري