كسبنا عسكريًا : فهل فوتنا فرصة إعلامية؟

420(1 )
فى 20 اغسطس 1998م وفى التاسعة والنصف مساء ، تعالت شظايا مصنع الشفاء فى مدينة بحري ، ودوت اصوات الانفجارات تهز سكون المدينة الوادعة ، والوقائع بعد ذلك معلومة ، ومحفوظة فى ذاكرة كل السودانيين بتفاصيلها وابعادها ، ولسبب بسيط ، فحين دعي دكتور غازى صلاح الدين وزير الاعلام حينها الى مجلس الامن الوطني ، اعتذر واختار ان يكون فى محطة التلفزيون يدير معركته من هناك ، لقد كانت محطة تلفزيونية يتيمة واذاعة يتيمة فى بلد محاصر اعلاميا واقتصاديا وعسكريا ، خلال ساعات محدودة كانت المعركة ترجح لصالح السودان ، وتمت هزيمة اكبر آلة اعلامية فى العالم ، واكبر مصدر للمعلومات واكثر مؤسسات الدعاية العالمية ، بل استطاعت الحملة الاعلامية تلك ان تهز مصداقية اكبر دولة فى العالم واحدثت خلخلة فى كثير من المفاهيم ، وتراجعت الولايات المتحدة عن ادعاءاتها العريضة وبدأت تبحث عن المبررات ، ذلك ان الاعلام يستند الى مبدأ المبادرة والحضور والمعلومة والادلة والوثائق ، ففى العالم الكثيرون ممن يبحثون عن الحقيقة فحسب ، وعلينا ان نفتح الابواب وندير المعارك بمهنية ومنهجية وعلمية ، ونستحضر هذه الحادثة للاشارة الى محاولة استهداف السودان من محورين ودولتين وشبه دولة ، وامامنا الادلة والشواهد والوقائع وفى رأيي ان هناك غيابا للمبادرة والمهنية والرؤية.
(2 )
الاسبوع الماضى شهد السودان اعتداء مكتمل الاركان ، من حيث المنطق ووجود الحركات المسلحة فى جنوب السودان وليبيا ، ومن حيث الظرف السياسي والتداعيات ، فقد كانت الحركات قبل يوم تناقش وتحاور فى المانيا ، ومن حيث القدرة والامكانية لان العتاد والاسلحة والمركبات والمعلومات لم تكن جهد حركات مسلحة وانما دول ومنظمات ، ومن حيث الوثائق الماثلة للعيان من اسلحة وسيارات وافادات الاسرى كلها تشير الى تورط دول واستهداف دولة ، مما يهدد الامن والسلم الدوليين ، بل ان الحسم العسكرى للحركات وفر حقائق وادلة ووثائق عديدة ، وللاسف لم يتم استغلال هذه الحدث اعلاميا بما يستحق ، فهذا الحدث بكلياته جزء من ترتيبات كثيرة تستهدف هذا الوطن ، ووحدته ، وربما تتكشف الحقائق رويدا رويدا ، وربما التوظيف الامثل للبيانات والمعلومات والادلة يقطع الطريق امام هذا الاستهداف وتلك المخططات المتوقعة ، لقد ذهب بعض الصحفيين بعلاقاتهم الى موقع الحدث ، وتم عرض صور شحيحة عن الآليات ، وبثت مقاطع محدودة عن المؤامرة ، ولكنها لم توظف فى حملة ذات اهداف واضحة تكشف بوضوح وترسل رسالة لاطراف المؤامرة وتنبه المجتمع الدولى والاقليمي.
(3 )
ان المعركة الاعلامية بذات فاعلية وتأثير المعركة الدبلوماسية ، والفضاءات الان والامكانات اكبر والفرص المتاحة اوسع ، ووضع السودان فى محيطه الافريقي والعربي وعلي مستوى العالم متقدم كثيرا عن العام 1998م ، وما تم مواجهته فى حادثة الشفاء كان اقوى ترسانة اعلامية ومهابة سياسية ، واليوم نواجه دولة تعانى حربا اهلية وانقسامات داخلية واخرى تتخفى من ازماتها بافتعال معارك جانبية وتهرب من مواجهة استحقاقاتها الداخلية الى الخارج ، ومع كل هذه المعطيات فإن الاداء الاعلامي كان محدودا واسيفا ، وهنا نتحدث عن مخاطبة الرأي العام العالمى والاقليمى والعربي ، وبدأت المعركة الاعلامية تتجه الان وتتحدث عن (تجدد المعارك فى دارفور ) بدلا عن الحديث عن مؤامرة واستهداف (لخلخلة الاستقرار فى دولة عضو فى الامم المتحدة ) ، لقد دعت وزارة الخارجية البعثات الدائمة لتنوير فى يوم الحدث مباشرة وتم تمليكهم معلومات ، ولم تعقد وزارة الاعلام حتى الان مؤتمرا صحفيا واحدا ، او حتى تصدر بيانا يتصدر جدول الاحداث ، ان اتجاهات الاعلام والخطاب الاعلامي تصنع ويؤسس لها بمنطق ودراسات ومحددات ، وليس من خلال افادات متعددة المصادر والازمان ، وهذا الحدث كبير وربما تليه احداث اخرى ولابد من توسيع الخطاب الاعلامي حوله وترسيخه وتقديم رسائل ذات دلالات قوية.
وما زال بالامكان ، اعادة توازن الخطاب الاعلامي والانتقال من خانة الشرح والوصف الى تقديم الرسائل وتعرية المواقف وقطع طريق اجندة الزيف .
والله المستعان