سيل الدموع والذكريات في رثاء أخي/ سيف الدولة محمد الحسن

هاتفت قبل ثلاثة أيام ابن عمي حمزة أبوشامة متوجساً خيفة أن يكون النعي الذي اطلعت عليه في احدى الصحف السيارة هو لصديقي وزميل دراستي الثانوية سيف الدولة محمد الحسن ظناً مني أنه تشابه أسماء. فأكد لي الأخ حمزة ما فزعت فيه بآمالي إلى الكذب. لقد مات سيف الدولة. مات سليل المك نمر أعظم ملوك شندي وأول من غضب لكبرياء الشعب السوداني وعزته أن يمتهنها غِرٌّ جهولٌ جاء ليسرق كنوز بلادنا.
الموت حق بنص القرآن الكريم «إنك ميت وإنهم ميتون» صدق الله العظيم. لكن فقد سيف الدولة جلل. عرفته في رحاب مدرسة وادي سيدنا الثانوية وثورة أكتوبر تتخلَّق في رحم الأمة السودانية حيث جئناها ونحن ثلة من طلاب مدارس أم درمان أذكر منهم (عصمت محمد الحسن – الرشيد عبد القادر أبوشامة – حمزة المبارك أبوشامة – ناصر أبو الحسن – عوض عبد السلام – صلاح شيخ ادريس) وجاء هو كواسطة عقدٍ لكوكبة نيِّرة من طلاب شندي الأهلية منهم (أبوبكر أبوجوخ – طارق ميرغني – حسن عثمان رزق – عثمان العطا – حسن جعفر الحفيان – علي محمد أحمد طه – صلاح حسن سوار الذهب – بشير مصطفى وابن عمِّه هشام) وغيرهم.
وشاءت الأقدار أن نقيم سوياً أنا والفقيد بداخلية «ود البدوي» طيلة سنوات أربع لم أر منه خلالها ما يشين ولم أسمع منه ما يؤذي فلقد كان – رحمه الله – موطأ الأكناف يألف ويؤلف. مؤدياً لفروضه الدينية على أكمل وجه في غيرما شطط أو تزمت. كما كان لاعباً حاذقاً لكرة القدم مما أهله لتمثيل داخلية «ود البدوي» في دوري الداخليات.
جئنا وادي سيدنا فوجدناها تمور حراكاً سياسياً وثقافياً وفنياً وأكاديمياً. فالحريات مكفولة فلا قيد على فكرٍ ولا حجر لرأيٍ (اخوان مسلمون – اشتراكيون – قوميون عرب – مستقلون) وفتحيَّان أحدهما في أقصى اليمين والآخر في أقصى اليسار (فتحي خليل – فتحي نورين) ولا أثر لمطواة أو ساطور أو هراوة!!
جئناها ورئيس الاتحاد – صابر محمد حسن – بالصف الرابع يتوعد كل من يفشي سراً للاتحاد عند الإدارة. وما أدراك ما الإدارة!! فقد كان يتسنمها أحد دهاة النُظَّار (خالد موسى) – غشيت قبره الرحمة – فلطالما أعمل سيف النقل في رقاب النشطاء السياسيين من الطلاب فيتفرق دمهم في مدارس أم درمان وبيت الأمانة وغيرها.
جئناها والشُعَبُ تمتليء وتفيض بأفذاذ العلماء من المعلمين: (التاريخ – دكتور محمد الأمين سعيد (القوي) بقامته الفارعة كنخل الشمال – ابن توتي المنافح عن الاسلام في كل محفل بروفسور عز الدين عمر موسى الحائز على جائزة الملك فيصل في التاريخ – شعبة الرياضيات عمر حسن مدثر أو عمر Math البديهة الحاضرة والتعليق الذي لا يُمل – اللغة الانجليزية شاعر (الغابة والصحراء) النور عثمان أبكر والسلاوي المعلِّم الكامل مظهراً ومخبراً).
وقامات فنية تعطِّر ليالي الوادي وصباحاتها (محمد وردي – سيد خليفة – عبد الكريم الكابلي) والفرق الفنية الافريقية تغدو وتروح Havambi Africa ودكتور الحبر والاقتصادي فؤاد العجباني وقد كانا قبل سنوات في رابعه (هومر) يجاريان عنترة في ميميته:
هل غادر الشعراء من متردم   أم هل عرفت الدار بعد توهم
هل غادر الطلاب فصل (الهوْمر)   أم هل جنيت الآن غرس الأشهرِ
ولا غرابة في كلِّ ذلك الكم المعرفي والسياسي والثقافي الهائل فهذه وادي سيدنا التي قال عنها الشاعر الفخيم والمعلِّم الرائد أحمد محمد صالح:
برزت من قِرابها وادي سيدنا     وانبرت من عرينها حنتوبُ
عفواً قارئي العزيز لهذا الإسهاب فما ساقتني إليه إلا هذه الذكرى الأليمة وتلك الأيام الزاهيات التي عشناها أنا والفقيد سيف الدولة. ولقد زرته قبل سنوات بمنزله بالعمارات شارع 31 وهو هو لم تبطره النعمى وما غرَّه مال:-
إذا كان بعض الناس يفاً لدولةٍ ٭ ففي الناس بوقات لها وطبول
ثم التقيته بعدها بمنزل الأخ المهندس زميل الدراسة بوادي سيدنا بشير مصطفى بالمهندسين في مراسم عقد ابن شقيقي (عمر الحبر) على كريمة المهندس بشير وكان آخر لقاء.
عزائي موصول لأسرته الكريمة ولنجليه أحمد وياسين ولكل الذين ذكرت من أبناء (دار جعل) بوادي سيدنا الثانوية متوسلاً إليه تعالى أن ينزل على قبره شآبيب رحمته وأن ينزله منزلة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
ولا حول ولا قوة إلا بالله..
ابراهيم يوسف نور الدائم
السروراب