الأمثال وما بها من جمال وضلال (2)

485قلت في آخر مقال لي هنا، (الخميس الأول من يونيو الجاري، والذي يتمنى الناس أن يزيد من سرعة الجري، وصولا إلى عيد الفطر المبارك، لأنهم يعانون من الريح الكتاح، وأزمة الملح والملاح، والاسهالات التي اشتغلت فيهم تاح تراح)، المهم أنني قلت إن الكثير من الأمثال الشعبية الدارجة والمتداولة، مجرد كلام مرصوص ومسجوع، وليس فيها قدر كبير او هزيل من الحكمة يبرر ان يتداولها الناس ويستشهدوا بها وكأنها من «صحيح البخاري»
ورفع شأن الأمثال الشعبية الى مصاف الأحكام القطعية، يطابق التحدث عن «المحافظة على عاداتنا وتقاليدنا»، والكثير من عاداتنا وتقاليدنا حميدة، وينبغي ان نعض عليها بالنواجذ، ولكن الزمن أثبت وسيظل يثبت خطأ وخطل الكثير منها: دق الشفاه (الشلوفة) والشلوخ وختان البنات من عاداتنا وتقاليدنا، استغفر الله بل كانت من عاداتنا وتقاليدنا، ولكننا حاربناها، وما زال هناك من يحارب فلولها من منطلق أنها عادات ضارة.
ولهذا فإنني أتلوى من الغيظ عندما أسمع بانتظام مقولة: من خلى عادتو قلّت سعادتو، فهذا كلام لا قيمة له سوى أنه مسجوع. هل ستفشل الزيجات إذا تخلينا عن عادة ترقيص العروس و”قطع الرحط”؟ هل ستقل سعادة من يتوقف عن “عادة” تعاطي البنقو؟ هل سيصاب بالعقم من يرفض الذهاب الى النيل خلال زفة زواجه؟ ثم خذ: إن غلبك سدّها وسِّع قدّها، يعني إذا فشلت في الخروج من ورطة، ورِّط نفسك أكثر، وإذا لم تجد حلا لمشكلة، حاول تعقيدها أكثر وليحصل ما يحصل، والزارعها الله بتقوم في شارع الزلط (أو كما قال دكتور نافعنا: الزارعنا غير الله اليجي ويقلعنا، وأقول له: ربنا الزرعك ح يقلعك، ولو دامت لغيرك لما آلت إليك)، واعتقد أن الدعوة لتوسيع ثقب الأزمة التي تستعصي على الحل جاءت من الشيوعيين، لأنهم أنصار تكتيك تأزيم الأزمة بحسبان أن ذلك يشجع على البحث عن “مخارجة”منها.
ولا يعادل ذلك المثل خطلا وخللا إلا المثل القائل: إذا سرقت اسرق جمل. يعني عندما تخطط لاختلاس، لا تكن «رخيصا» وتسرق رواتب موظفين وهميين في مشروع ما، بل اسرق المشروع بكامله، كما فعل المصريون الذين سرقوا قبل سنوات، الكرين الذي كان يستخدم لحفر ممرات مترو الأنفاق وكان بارتفاع عمارة من( 16) طابقا، ولم يعرف له الدبان الأزرق طريقا، وإذا كنت بحاجة الى دروس تقوية في طريقة سرقة الجمل بما حمل، اقرأ تقارير ديوان المراجع العام لتعرف ان الطيب ود الضحوية وطه الضرير كانا همباتة أي كلام.
وظللت لحين طويل من الدهر مولعاً بالأمثال الشعبية المصرية، وربما كان ذلك بسبب حصولي في سن مبكرة، على قاموس محمد تيمور لتلك الأمثال، ولكن هناك مثل شعبي مصري لم أفهم معناه ومرماه، ومؤداه ان الخروج من الحمام أصعب من الدخول فيه، كما أنني لا أفهم عنصر الصعوبة والتحدي في أن أقول (تلت التلاتة كم)، ثم عثرت على كتاب بابكر بدري عن الأمثال السودانية، ثم – يا للسعادة – قرأ لي الدكتور سمير محمد عبيد نقد، (جامعة البحرين) بضع مقالات عن الأمثال، وبعث لي ب”معجم الأمثال السودانية المقارنة”، بواسطة الدكتور المؤرخ الضليع أحمد إبراهيم أبو شوك (جامعة قطر)، ومثّل ذلك نقلة في فهمي لمكنونات ودلالات الأمثال الشعبية، فمعجم سمير نقد يتألف من ستة أجزاء، كل واحد منها يتألف من أكثر من اربعمائة صفحة، بأسلوب إعداد القواميس، فجاءت الأمثال في الموسوعة مرتبة أبجديا، ولا شك في أن الأستاذ نقد قلب الهوبا لإنجاز هذا العمل الضخم، فمجال تخصصه الأكاديمي هو الدراسات الإسلامية، ولا يوجد علم ال”لكسكوغرافيlexicography ” (إعداد القواميس)، في أي مؤسسة تعليمية عربية، ومعنى هذا أن عصاميته مكَّنته من إنجاز هذا العمل الضخم، أخذا في الاعتبار أن المعجم لا يكتفي ب”رص” الأمثال، ولا فقط بشرحها، بل أيضا بمقارنتها مع نظائرها عند العرب والشعوب العربية الأخرى
وهكذا ظلت أجزاء معجم سمير نقد وستظل، على طاولة بالقرب من سريري، لأنها صارت سميري المشتولة في ضميري.