أدب الاستقالة!!

432٭ والفاروق عمر يُجبر الصحابي سعيد بن عمير على ولاية حمص.. التي عُرف أهلها بكثرة الشكوى.. ويبقى ابن عمير بين أهلها ولا يرسل للفاروق مال الصدقة.. فيطلب منه العودة للمدينة للمساءلة والمحاسبة.. فيسأله عن مال الصدقة فيجيب (أخذتها من أغنيائهم وأعطيتها لفقرائهم ولو بقى منها شيء لأعطيناك» فيأمره بالعودة إلى ولايته فيمتنع ابن عمير الزاهد الأواب.
٭ ففي البلدان المتحضرة المسؤولون فيها الاستقالة أمر مألوف بينهم.. أما عندنا فلا مسؤول يستقيل عند اخفاقه إلا من رحم ربي، فعندنا المسؤولون وزراء.. أو ولاة.. إما (يحردون) أو يبقون على مواقعهم لحين اقالتهم.
٭ ففي زماننا الرديء نقرأ أو نسمع بمخالفات أو تجاوزات أو سرقات منظمة ومبرمجة.. لا أحد يستقيل.. لم نسمع ولو مرة واحدة بأن أحداً من هؤلاء.. الذين يتناقل الناس أخبارهم في وسائل الاعلام قد بادر إلى تقديم استقالته.. فهؤلاء الذين يزكم فسادهم الأنوف ليسوا أشباحاً بل أشخاصاً من لحم ودم. بشر يروحون ويجئون بين الناس وأحياناً بعضهم يطلون علينا عبر الشاشات الصغيرة.. يتحدثون بعدم حياء عن تضحياتهم في سبيل الوطن.. يتحدثون عن القيم والأخلاق والطهارة.. فلا يبصق أحد في وجوههم ولا يسألهم أحد ماذا فعلتم؟! أو من أين كل هذا؟؟
٭ أنا لا أفهم كيف يبقى في (الموقع) من هو متهم بالفساد أياً كان الفساد.. مالياً أو ادارياً.. ولا يدافع عن نفسه ان كان بريئاً ويتقدم باستقالته حفظاً لكرامته.. ولا أفهم كيف يبقى من عجز عن ادارة مرفق مثلاً؟ ولا أفهم كيف يبقى والٍ عاجز عن بسط الأمن وادارة ولايته. أنا لا أفهم بقاء والٍ في كرسي السلطة وهو بعيد عمن يحكمهم، أبوابه مقفولة.. وقضايا مواطنيه لا تجد حلاً، ولا أفهم بقاء والٍ في فصل الخريف.. حيث السيول والفيضانات وهو يقضي اجازة بعيداً عن شعب ولايته، بالتأكيد فالذي لا تشغله مشكلات الناس لا يعرف أدب الاستقالة.
٭ إن الذي يسكت عن الحق شيطان أخرس، فهناك ولاة لا تقرعهم إلا عصا (الاقالة) بينما كان أفضل لهم (الاستقالة)، فهناك أخطاء يرتكبها بعض الولاة بحق الوطن، تجاوزات كبيرة، وللأسف تصل إلى حد (تشليع) مؤسسات الدولة وتصل إلى سحق القوانين والتشريعات، فأعتقد ان من باب أولى لمثل هؤلاء الولاة أن يتقدموا باستقالتهم.. على الأقل الاستقالة تصون لهم كرامتهم.. صحيح انهم ليسوا مثل ابن عمير الذي جاء من حمص إلى المدينة راجلاً.. لكن ليته كانوا مثل بعض وزراء الدول المتحضرة الذين يتنحون عن الموقع لما يكثر عليهم القيل والقال.
والله المستعان.