مذكرة تفسيرية: الاقتصاد السوداني أطروحات (جراحة) العافية (1-2)

22-08-2016-09-2د. يوسف بخيت ادريس

مدخل:
جملة الاداء الاقتصادي وادارته في السودان تهدف مبدئياً الى رفاهية الانسان في حقه في العمل والمعيشة وكل المطلوبات التي تغطي احتياجاته وقيام دولة قوية للدفاع عن هذه المبادئ. وقد تحدث الاقتصاديون في السودان بمعاونة آخرين من المجتمع الدولي والاقليمي عن الاصلاح الاقتصادي في سنوات كثيرة منذ استقلال السودان في 1956م. وصارت لنا أطنان من مخزون التوصيات والنتيجة النهائية هذه التوصيات لم تفيد في تطور الدولة والاقتصاد السوداني. ونحن في مطلع القرن الـ21 ولكن الاقتصاد السوداني الآن أكثر هشاشة لا يستطيع الاستجابة لمتطلبات المواطن والأمر أصبح لا يحتاج لكثير من العناء للوصول للحقائق إذ إن السودان ما زال عضوا في مجموعة الدول التي الأقل نمواً في العالم حسب توصيف البنك الدولي. ومن الدول التي فشلت في ادارة نفسها ولم يستفد السودانيون من الحجم الكبير لبلدهم رغم وجود الموارد الطبيعية على سطح وباطن الأرض. وحتى لا نخوض كثيراً في أزمة الاقتصاد السوداني أود أن أتقدم بمقترحات ايجابية قابلة للنقاش والموافقة حسب ضروراتها للتنفيذ وهي تشمل الاطروحات التالية للاصلاح الاقتصادي السوداني.
الطرح الأول:
الاصلاح الاقتصادي يقوم على الانتاج ولكن جزءا كبيرا من السودانيين تحولوا من مربع الانتاج إلى مربع الاستهلاك وإذا استمر هذا الوضع مع ضعف الاستثمار ومشاكل أخرى سيزيد عدد المستهلكين مقابل عدد المنتجين وفي هذا الاطار نود أن نعطي مثالا: يوجد الآن عدد من السودانيين أما نازحون أو لاجئون وعطالة في معسكرات النازحين بالاضافة إلى فقراء المدن وفقراء الظلام واللاجئين وكان هؤلاء النازحون واللاجئون منتجين بالذات في دارفور تركوا مناطق انتاجهم إلى معسكرات النازحين واللاجئين بسبب الحرب. هؤلاء كانوا ينتجون الذرة والدخن والفول السوداني والسمسم والصمغ العربي والكركدي والفواكه والبقوليات والخضروات فكما ذكرنا سابقاً هؤلاء تحولوا إلى مستهلكين لا يستفاد منهم كمواطنين وعليه لابد من اجراءات حاسمة لوقف الحرب وهذه مسؤولية الحكومة والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الازرق وشرق السودان وأي بؤر للنزاعات وكل مدن السودان تئن من العطالة المتصاعدة من الخريجين والعطالة المقنعة في مكاتب الدولة والسبب الرئيسي ان تجربة تحرير الاسعار في المؤتمر الاقتصادي في اكتوبر 1989م لم تدرس عواقب المستقبل بما في ذلك تجربة التمكين.
الطرح الثاني: تقسيم السودان لقطاعات اقتصادية
الحقيقة ان حجم السودان حتى بعد فصل الجنوب مازال كبيراً من ناحية الادارة الاقتصادية فمازال هنالك مناطق لا تدخل اصلاً في التخطيط الاقتصادي وظلت في الهامش للبعد الشاسع وضعف البنيات التحتية والكفاءة الادارية مع غياب المعلومة الأكيدة للوصول لتلك الناطق ولذا لم يستفاد من تلك المناطق في التنمية الاقتصادية وعليه يهدف هذا الطرح إلى تقسيم السودان إلى قطاعات اقتصادية حسب الميزة الجغرافية الاستراتيجية التي لم تضمن من قبل في التخطيط الاقتصادي القائم على مفاهيم الصفوة في الحكومة المركزية وعليه فإن تقسيم السودان لقطاعات اقتصادية بحيث يكون كل قطاع متخصصا في نوعية الانتاج وقدرة المواطن على ذلك (وهي تجربة هندية) رائدة على أن يقسم السودان للقطاعات الاقتصادية على النحو التالي حتى نضم كل مواطن في تلك المناطق كجزء من التنمية والتطور:-
1- قطاع دارفور
2- قطاع كردفان
3- قطاع نهر النيل والشمالية
4- قطاع البحر الأحمر
5- قطاع شرق السودان (كسلا والقضارف)
6- قطاع الخرطوم العاصمة الوطنية
7- قطاع الجزيرة وجنوب النيل الأزرق
8- قطاع النيل الأبيض وجنوب النيل الأبيض
السيرة الذاتية لكل قطاع اقتصادي أعلاه:-
كل القطاعات الاقتصادية أعلاه تشترك وتتشابه في كثير من المواصفات ابتداءاً بالسكان/ التقسيم الجغرافي/ النشاط الاقتصادي لكنها في ذات الوقت كل قطاع يمتاز بمميزات استراتيجية في حالة التخطيط الاقتصادي والاجتماعي بحيث يجد القطاع المعني احتياجاته في التنمية مثل القطاعات الأخرى في التنمية القومية بحيث تتحقق العدالة والمساواة للجميع. وإذا لم نحقق التوازن والعدل والمساواة لكل مواطن في داخل القطاع أو داخل كل القطاعات فسوف نجد نفسنا في مواجهة مع الكراهية سواء للنظام أو المواطنة. وقد تؤدي هذه الكراهية إلى المطالبة بالانفصال كما حدث بالجنوب أو تسبب عدم استقرار دائم للبلد الذي يحتاج للوحدة والتماسك والاستمرارية المفقودة منذ الاستقلال.
الطرح الثالث: مسؤولية ادارة القطاع الاقتصادي:-
مسؤولية ادارة الاقتصاد السوداني في حد ذاتها أصبحت مشكلة مزمنة فقد مر على السودان منذ الاستقلال أكثر من (36) وزير مالية وحسب افادات التاريخ خمسة منهم أشير إليهم بقدرتهم على ادارة الاقتصاد وهم: ابراهيم أحمد/ الشريف حسين الهندي/ مأمون بحيري/ ابراهيم منعم منصور/ عثمان عبد الوهاب. في عهدهم كانت هنالك محاولات للتنمية الاقتصادية الشاملة للخروج بالمواطن من الاقتصاد المعيشي إلى اقتصاد السوق والاستثمار/ وليس معنى هذا ان الآخرين لم ينجزوا فقد أدوا واجبهم ، وهذا المثل فقط للحاجة إلى وجود وزراء أكفاء للقطاع الاقتصادي مسنودين بكفاءات علمية من خلال وجود مؤسسات تستوعب قدرات هؤلاء الاقتصاديين في تقديم الرأي الاقتصادي الفني والمتابعة وتحمل مسؤولية ادارة الاقتصاد في ظروف السودان الحالية والمستقبل وهذا يحتاج أيضاً في أسلوب اختيار وزراء القطاع الاقتصادي على ضوء مواصفات وكفاءة وعلم ومتابعة تقييم أدائهم وأسلوب اختيار وزراء القطاع الاقتصادي وهنا نرجو أن نذكر تجربة الرئيس سوهارتو رئيس اندونيسيا في الخمسينيات الذي عمل على اعادة هيكلة القطاع الاقتصادي بنظام اعلان وظائف وزراء القطاع الاقتصادي وعندما تعلن تلك الوظائف يطلب من المواطنين عامة سياسيين وغيرهم أن يتقدموا لملء الوظائف حسب مطلوبات الوظيفة وعليه تجرى اختبارات كثيرة للمتقدمين لملء كل وظيفة بواسطة أجهزة الدولة المعنية بما في ذلك الجهاز التشريعي والسياسي والمجتمع المدني وعليه يتم اختيار الشخص المناسب ليكون ضمن وزراء القطاع الاقتصادي وقد نجحت التجربة في كثير من الحالات وكانت هذه التجربة السبب في النهضة الاقتصادية لاندونيسيا حتى اليوم التي سميت «بوثبة النمر» (Tiger Jump) والتي أصبحت تجربة ناجحة لكل دول شرق وجنوب شرق آسيا.
الطرح الرابع: التكامل النقدي مع دول ومنظمات اقتصادية:-
كثير من دول العالم بعد تكوين هيئة الأمم المتحدة في عام 1945م واجهتها مشاكل في المحافظة على سعر العملة الوطنية والنقد (المال) نتيجة للتضخم المالي واختلال الميزان التجاري بين الدول وعليه لجأت بعض الدول للدخول في اتفاقيات ثنائية أو اتفاقيات مجموعات حتى لا تفقد العملة الوطنية قيمتها وذلك بتوحيد التكامل النقدي بينها وقد نجحت التجربة بالرغم من الصعوبات التي واجهت والتي وقفت في طريق تنفيذ التجربة بسبب الاشكاليات السيادية وهنا نذكر التكامل النقدي:-
1- التكامل النقدي لدول الاتحاد الاوروبي 27 دولة والتي تسمى منطقة اليورو (EURO).
2- التكامل النقدي لدول الفرانكوفون (16) دولة لها عملة واحدة تسمى سفا (CFA) وهي مربوطة بالفرنك الفرنسي.
3- التكامل النقدي لدول شرق افريقيا بين عام 1957 – 1964 وهي: يوغندا/ كينيا/ تنزانيا/ والعملة السائدة كانت (الشلنج) (Chilin) مربوطة مع التكامل النقدي لانجلترا.
4- دولة الصومال لديها تكامل نقدي مع كينيا وآخر مع اثيوبيا وآخر مع شمال الصومال (هارجيسا) وجيبوتي.
5- للسودان أيضاً تجربة تكامل نقدي أثناء الحكم الذاتي (الانجليزي والمصري) فكان السودان يتعامل بالجنيه الانجليزي والمصري حتى قيام بنك السودان بعد الاستقلال واصدار الجنيه السوداني أبو جمل.
وإذا كانت هذه التجارب الناجحة فلماذا لا نشجع السودان في الدخول في التكامل نقدي الذي يأخذ مننا عبء الحصار الاقتصادي ويزيد من امكانية الانتاج والتسوق للاكتفاء الذاتي والتجارة الخارجية.
وإذا رجعنا لحالة السودان في التكامل النقدي نقترح تشجيع دول أخرى للدخول معنا في التكامل النقدي بحيث نحافظ على قوة الجنيه السوداني خوفاً من التضخم والانهيار الاقتصادي وعندما ينهار الاقتصاد لا تضمن العواقب في بلد مثل السودان التي فيها مشاكل متعدة ومتداخلة في كل النواحي وعلينا أن نستعجل في بحث هذا الاقتراح بجدية لأن القروض الطويلة الأجل لم تنجح والودائع لم تنجح والهبات لم تنجح.