دساتير ودستوريون

423(1)
دستور بفتح الدال تختلف عن دستور بضمّها. الاولى عامية وتستخدم عند التداخل مع أحبابنا من الجن والعفاريت. وفي العادة يُقال عند مخاطبة هؤلاء: «دستور يا أسيادنا». ولكن كثيرا من عامة الناس يستعينون بهذه العبارة عند دخولهم المنازل المأهولة لتنبيه الساكنين الى قدوم شخص غريب عن اهل المنزل فيصيح الرجل بصوت عال، كما نشاهد في الافلام والمسلسلات المصرية: «دستووور .. يا أهل البيت»!
أما دستور بضم الدال فكلمة فارسية الأصل تشير الى القانون الاساسي للدولة. وهي لفظ مركب حرفياً من شقين: «دست» بمعنى قاعدة، و»ور» بمعني صاحب، فيكون المعنى الكامل للمفهوم هو (صاحب القاعدة). والأصل في الدساتير انها تكون مكتوبة يُحاط اصدارها بمجموعة من الضوابط التي تضمن انعقاد الإرادة العامة والتعبير عنها، ومن ذلك موافقة الهيئات التأسيسية او التشريعية عليها. غير ان بعض الدول، كما هو الحال في بريطانيا، لا تملك دستورا مكتوبا، وانما تحتكم الى دستور عرفي غير مكتوب. ولبريطانيا في دساتيرها شؤون!
(2)
وأنا في واقع الامر لست معنياً بالدستور، مهما يكن من أمر داله، مفتوحةً ام مضمومة . وانما يشغلني أمر تلك الجماعة الموصوفة بوسم: «الدستوريون». وهم اولئك الذين يشغلون مناصب بعينها في أجهزة الدولة!
وكنت حتى وقت قريب اعتقد ان عبارة (شاغلي المناصب الدستورية) تنصرف الى المسؤولين الذين يتولون مناصب رسمية منصوصا عليها في الدستور ذي الدال المضمومة. أو ان تعيينهم في تلك المناصب يتطلب صدور القرار من جهة ذات صلاحيات دستورية كرئيس الدولة مثلاً.
ولكن الشك أخذ ينتابني حول هذا الامر اخيراً. وخطر لي أن صفة (الدستورية) التي تلحق بشاغلي المناصب المشار اليها ربما كانت أميل في حقيقتها للمعني الوارد في كلمة الدستور الاخرى. أعني دستور الجن، ذا الدال المفتوحة. ويستتبع ذلك أنه ربما تعيّن علينا، نحن عامة المواطنين، ان نقول عند مخاطبة هؤلاء أو الدخول عليهم: «دستور يا أسيادنا»!
(3)
اخيراً شاهدت فيلماً سينمائياً قديماً يحمل اسم (معالي الوزير)، قام ببطولته الممثل الراحل أحمد زكي. تحكي قصة الفيلم عن شخص تولى منصب الوزارة عن طريق الخطأ بسبب تشابه في الأسماء، وقد علمت بعدها ان الرواية مأخوذة من قصة حقيقية.
تداعت احداث ذلك الفيلم الى ذاكرتي وأنا اطالع الأنباء التي اوردتها عديد من الوسائط الاعلامية الاسبوع الماضي عن مواطن تونسى من غمار الناس، تسلل خلسة، دون ان يتنبه الحراس، الى قاعة البرلمان في العاصمة تونس، وتمكن من الاصطفاف مع علية القوم.
ثم عندما نودي – أثناء مراسم أداء القسم – على أحد النواب الجدد، الذي تصادف غيابه صبيحة افتتاح البرلمان لظروف صحية، تقدم صاحبنا المتسلل منتحلاً شخصية النائب فأدى اليمين الدستورية عضواً في البرلمان. وقد ردد الرجل، دون وجل، امام رئيس القضاء القسم التالي: «أقسم بالله العظيم أن أخدم الوطن بإخلاص، وأن التزم بأحكام الدستور وبالولاء التام لتونس»!
(4)
في السودان عندنا قصة مشهورة عن توجيه رئيس الجمهورية السابق عام 1984 لمساعديه في القصر الجمهوري، عند شروعه في تشكيل حكومة جديدة، بتضمين اسم الرسام التشكيلي، ووكيل وزارة الاعلام الاسبق، ابراهيم الصلحي في التشكيل الوزاري وزيراً للثقافة والاعلام.
ولكن الرئيس التبست عليه الوجوه والأسماء فنطق اسم (صالحين) بدلا عن الصلحي. وهكذا صدر المرسوم الجمهوري واذيع وهو يحمل اسم الأول وزيراً، عوضاً عن الثاني، وتولى الوزارة بالفعل لمدة عام كامل تقريبا. وقد صرح وزير الرئاسة السابق المرحوم الدكتور بهاء الدين محمد ادريس بتفصيلات تلك الواقعة لحبيبنا الاستاذ كمال الجزولي، فنشرها كاملة في احدى روزناماته. وإن كان حبيبنا الاخر الاعلامي المخضرم الاستاذ عبد العظيم عوض، الأمين العام للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، يميل الى التشكيك في هذه الرواية، بل وينفيها قولاً واحدا. ولكنني، مع حبي لعبد العظيم، افضل ان اقف الى جانب رواية شيخي كمال الجزولي. ودافعي في ذلك علمي بأن عبد العظيم تربطه علاقة قربى اسرية ومهنية وثقى بالراحل الكبير محمد خوجلي صالحين، وربما شقّ عليه ان يقبل رواية ان قريبه تقلد الوزارة عن طريق الخطأ. ومهما يكن فقد حسمت العصبة المنقذة الجدل حول تشابه الاسماء هذا، عندما قامت بتعيين المرحوم صالحين وزيرا للاعلام في اوائل عهدها من تسعينيات القرن الذاهب تعييناً واضحاً قاطعاً دون شبهة خلط في الاسماء!
(5)
وهناك رواية يرددها بعض الاحباب عن واقعة مماثلة في عهد حكومات الانقاذ. إذ يقال إنه تم اخطار شابة سودانية فاضلة باختيارها للوزارة، وتمت دعوتها الى القصر الجمهوري لأداء القسم، ففعلت وتولت الوزارة بالفعل، ثم تم اعفاؤها بعد فترة قصيرة. ولكن الشخصية المقصودة بالوزارة حقاً – كما تردد – كانت سيدة اخرى. ولكنني لا اكترث كثيراً لهذا الزعم، ولا اجزم بصحته، لضعف ثقتي في مصادره.
(6)
بيد انني وجدت اكثر الروايات عجباً رواية حبيبنا الآخر الدكتور عثمان أبوزيد، نزيل مكة المكرمة، الاستاذ الجامعي والامين العام الاسبق للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، عن تجربته مع المنصب الدستوري. وقد سجلها في مقال شهير جهير له بعنوان (أكاديميون على صهوة السياسة) نشرته صحيفة سودانية في الداخل ونقلته عنها عدد من المواقع الالكترونية.
سمع الدكتور عثمان ابوزيد اسمه الثلاثي، مقروناً باللقب العلمي، ضمن أسماء وقع عليها الاختيار ليكون اصحابها اعضاء بالتعيين في البرلمان. ثم ان مدير الجامعة التي يحاضر فيها استدعاه وهنأه بالمنصب الجديد. اتصل عثمان بجهة ما في البرلمان فأبلغته بأن تعيينه جاء من منطلق الحاجة الى تعزيز لجنة الثقافة والاعلام في المجلس بعناصر جديدة ذات كفاءات اكاديمية.
لبس حبيبنا الدكتور عثمان أفخر ثيابه وذهب الى مقر البرلمان صبيحة يوم أداء القسم. ولكنه فوجئ هناك بأن شخصاً آخر، يحمل ذات اسمه، سبقه بالتوجه صوب المنصة وأدّى اليمين الدستورية عضواً في البرلمان. كل ما فعله عثماننا وقتها هو انه غادر المكان. جاء في مقاله: (عملت «خلف دُر»، لأصافح بوجهي نسمات النيل..).
(7)
ولأنني أعرف عن الدكتور عثمان أبوزيد أنه ليس من ذوي الإربة في المناصب، فأنا أعرف لزوماً أن نفسه ارتاحت وهو يغادر المكان. ولكن إحساسي ما برح يحدثني بأن الرجل الآخر الذي أدى اليمين الدستورية، واصبح عضواً في البرلمان، يمتُّ بصلة ما لصاحبنا التونسي الذي تسلل الى برلمان بلاده ووقف في طابور أداء القسم دون ان يتنبّه له الحراس!
ولو صحّ ظني وصدق إحساسي فسيكون من المؤكد ان ذلك الرجل قد شغل المنصب (الدستوري) بفتح الدال، لا ضمّها!