وزنوا بالقسطاس المستقيم

422إن النصيحة واجبة ، دينياً وأخلاقياً ، وقد عدلها وكالها الرسول الكريم بالدين كله إذ قال : الدين النصيحة .. والإصلاح لا تُجنى ثمراته ويحقق غاياته ، إلا إذا أفصح الحادبون على هذه البلاد بالكلمة الناصحة البلجاء ، والرأي القويم ، والإشارة باللون الأخضر على مواضع الإيجاب ، وباللون الأحمر على مكامن السلب ، ومعطلة فرملة المسار .
وأيما نشاط ، أو توجه لا تسبقه إستخارة وإستشارة ، حصد صاحبه الريح ، وعاد صفر اليدين ، وكسير النفس بخيبه الرجاء وتبخّر الأمل ، وعواقب الطيش بسبب الإنفراد بالقرار والإجراء .
والقواعد التى تبنى عليها بالضرورة ينبغي أن تكون ثابتة ، وألا تقام على أرضية هشة ، أو تربة متحركة كدأب الذين يعزمون على إنشاء الأبراج العالية ، والمشروعات التي تناطح في علوها السحاب بلا أساس متين.
وأنجح أنواع القيادة ، هي التي تُسند للمهرة الذين إستوعبوا مواصفاتها ، وأدركوا أساسياتها ، فلا يسمح لمبتدئ أن يقود سيارة عالية التكلفة ، فإما قادها بلا ثقة فإصطدمت وتخرّبت ، أو إنحرف عن المسار ، فقتل أحد الراجلين  من النساء والأطفال ، أو إنقلبت على ظهرها ، فلا نجاة لسائق ، أو راكب .
وقيادة الدولة ، ومؤسساتها ، لا تقل مثالاً عن ما سبق ، وما دام المرء منا لا يثق في إصلاح سيارته لدى ورشة للمبتدئين ، وأدعياء الصنعة ، ولا يرضى أن تدار مؤسسته بأفرادٍ لا علاقة لهم بفن الإدارة ، أو ما تقتضيه من تأهيل للقيام بها ، فكذلك الدولة ، تصبح اولى ، بأن تُنتخب لقيادتها أفضل ما لدينا من قيادات ، وأبرع من نأنس فيهم الكفاءة والدراية والعلم للإشراف على مالٍ عام ، وممتلكات هي في الأساس غير مملوكة لشخص واحد ، وإنما هي ملك على الشيوع ، ولكل مواطن فيها نصيب قل ، أو كثر ، ومن الواجب ، أن نحافظ عليه مادمنا نحافظ على أملاكنا الشخصية التي لا يشترك معنا في إدارتها أحد ، فبمثل الكيل لأنفسنا ينبغي أن لا نحيد عن العدالة عندما يكون الكيل لصالح جميع النّاس دون إستثناء .
وكم تكون خسارتنا ماحقة ، وظلمنا مجافياً لأبسط  قواعد العدالة ، عندما يكون التطفيف سلوكاً لنا ، والذي تكون عاقبته ويلاً  وثبوراً، وندامة في دار الحياة قبل حلول الدار الأخرة التي تنصب فيها الموازين القسط ، حيث لا ظلم ، أو إفتئات ، أو شنآن .
ومعايير تولي المناصب العامة والمواقع الدستورية ، ينبغي أن تخلو من أي ممارسة سالبة لها علاقة بالموازنات ، أو المطايبات ، أو العلاقات الشخصية ، فإذا إنحاز الشعب لحزب ، أو برنامج بموجبه تحصل على قبول جماهيري ، ورضي شعبي ، عندها لا يقبل أن نعبث بخيار الجماهير ، ويستلزم أن يُقدم في هذه الحالة ، من يقود القاطرة بثقة ودراية بعيداً عن العشوائية التي تعيق الرحلة ، مادام الطريق سالكاً ، ولا يتطلب إلا قائداً عارفاً بتعرجاته ومزالقه ، ومطمئناً بأنه سيصل سالماً إلى محطة الوصول بالسرعة اللازمة ، ووفقاً للأجل المضروب .
وقيادة البلاد ، على كافة المستويات لابّد أن تُوضع معاييرها ، وتُصمم قواعدها ، بحيادية ، ذلك لأن أي تساهل ، أو مجاملة في حق عام ، أو في تولي وظيفة خصصت لخدمة الكافة ، ستكون خصماً على مستقبل شعب ، ومقدرات أمة ، وحقوق أجيال تعقد عليها آمالها العراض ، وبالتالي فإن الحساب هنا سيكون حساباً مركباً كما سيكون العقاب .
والإصلاح المؤسسي ، يقوم بادئ ذي بدء على الإدارة السليمة ، والمعايير النزيهة ، والشفافية في الحكم ، وهو بهذه المثابة كتاب مفتوح ، وملف من حق أي مواطن الإطلاع عليه ، والتعليق على حواشيه منتقداً سوالبه ، مصححاً لأخطائه ، معدلاً لإعوجاجه ، قبل أن يلفه النسيان ، و يتقادم بمرور الأيام .
ولقد مضى علينا زمنٌ ، ظننا بأن من رفع السلاح ، لا يضعه إلا بصفقة تمزج بين مالٍ ومنصب ، ومن أدعى بأنه صاحب حق تاريخي في الحكم ، أتينا به مرة أخرى ليركب على رأس الأمة ويتولى شأنها ، كأنّ مواصفات الحكم شبيهة بقواعد الإرث وأنصبة أصحاب الفروض .
ولقد ذهبنا في ذات الطريق بل أكثر من ذلك «ظناً» منا بأن توزيع السلطات وتقسيم الثروات بذات القاعدة هو أنجع الحلول لمشاكلنا الموروثة ومصائبنا المتجددة ، مما أحدث شرخاً عميقاً بمنظوماتنا السياسية ، والقيمية ، والأخلاقية ، والإجتماعية ، وأخل بموازين ستكلفنا كثيراً إذ هممنا مرة أخرى بالتقويم والتصحيح حاضراً ومستقلاً .
ومن القواعد المثلى ، التي أن وضعنا أقدامنا عليها ، سوف لن تزل قدم بعد ثبوتها ، ولن ينهار مبنى كان شامخاً  هي قواعد إعطاء الخبز لخبازه ، والمهمة لمن ينجزها ، والمسئولية لمن يرعاها ، لأن نجاح الإدارة وسلامتها ، هو بسلامة قراراتها .. والقرار السليم يستدعي وضع الشخص المناسب في المكان المناسب لأداء العمل المناسب .
وياليتنا إعتمدنا مثل تلك الأسس إنطلاقاً ومنطقاً ، لتستوي مركب بلادنا على الجودي ويجري الإصلاح مجراه ، ذلك لأن الذي لا يستفيد من تجاربه هو في حكم الفاشل دولة كان أم شخصاً ، وأسوأ الفشل عندما نعيد تكرار أخطائنا ، وعدم إعتبارنا من تجارب مضت بعد أن فعلت فعلها قعوداً وتخلفاً وتدميراً فذاقت تلك الأمم وبال أمرها ونتيجة لما فرطت فيه .