الصراع السيبراني ومستقبل السلام العالمي

بهاءالدين-مكاويشكلت التطورات الهائلة في مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي العشرين، سياقات جديدة لنشوب صراعات حول ما بات يعرف ب «النفوذ السيبراني» في الفضاء الإلكتروني باعتباره ساحة واسعة للتفاعلات العالمية، وظهرت مفاهيم جديدة طورها علماء في مجال العلوم السياسية تناقش هذه التطورات ، فعلى سبيل المثال ، بلور جوزيف ناي ما سمي بالقوة السيبرانية (Cyber Power) ،وحددها على أنها هي « محاولة تحقيق اهداف ومصالح معينة، عبر استخدام مصادر المعلومات والادوار الاتصالية المرتبطة بالفضاء الالكتروني» .
لقد أدى ظهور الإنترنت، واستخدامه علي نطاق متزايد في أواخر القرن العشرين، الى اتساع المجال العام من المساحات التقليدية، مثل الأندية، والمقاهي، والأسواق، والصحافة، وغيرها ليشمل المواقع والمنتديات الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها ، وقد شكلت هذه المواقع والمنتديات والوسائل الجديدة فضاءً ممتدا للحوار والنقاش في المجال العام، تجاوزت من خلاله حواجز الزمان والمكان، ونشأت في ظلاله مجتمعات افتراضية( Virtual) مارست أدوارا مؤثرة في القضايا العامة، سواء على الصعيد الداخلي للدول أو على الصعيد الخارجي ، لذلك فقد تم استخدامه في الصراعات السياسية، سواء بين الدول، أو بين الدول وجماعات في الداخل والخارج، حيث استخدمت مواقع التواصل الاجتماعي، والهواتف المحمولة وغيرها وكان لذلك اثار هائلة على الواقع السياسي برمته.
ويتمثل الصراع الالكتروني بين الدول والمؤسسات في الاتي:
1- تخريب ومهاجمة مواقع الانترنت Website Defacements or Vandalismوهو ابسط اشكال الاسلحة السيبرانية، ويستهدف مهاجمة مواقع الخصم بغرض التدمير , او التشويه ،عبر نشر النصوص و الصور المسيئة، او نشر ما يسيئ الى علاقته بالاخرين افرادا او دولا وذلك كما حدث في الحالة القطرية.
2- الاقتحام الفيروسىIntrusions هو سلاح اكثر حدة حيث يدفع المهاجم هنا ببرامج خبيثة يصعب الكشف عنها، وتقوم هذه البرامج بسرقة المعلومات المهمة والسرية ،وتؤثر هذه الهجمات بشكل كبير على المصالح الحيوية للدول.
3- الحرمان من الخدمةDenial of Service Method، يستهدف الهجوم الالكتروني في هذه الحالة اغلاق المواقع الالكترونية بهدف وقف الخدمات الحكومية المقدمة عبر المواقع الرسمية للدول.
4- عمليات التسللInfiltrations حيث يقوم المهاجم بمحو جميع البيانات داخل نظام او شبكة الكترونية لدول اخرى,كما قد يتم الهجوم بافساد او تعديل الملفات ، او التقاط المعلومات المتدفقة عبر الويب. وهذا النوع من الهجوم له تأثيرات كبيرة وفادحة ويصعب معالجة اثارها السالبة بسهولة «اتجاهات نظرية في تحليل السياسة الدولية ، عدد ابريل 2017» .
ولقد شهدت الساحة الدولية أكبر موجة من الهجمات الالكترونية ، شهد عام 2001 وحده أكثر من 13 ألف هجوم من هجمات الحرمان من الخدمة الموزعة على أكثر من 5000 موقع إلكتروني مختلف تنتمي لأكثر من 2000 منظمة امريكية في مدة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع..
و في عام 2007، تعرضت إستونيا لعدد كبير من هجمات الحرمان من الخدمة والتي استهدفت البنية التحتية والمواقع الإلكترونية الخاصة برئيس الوزراء والبرلمان وعدد من الوزارات والبنوك. ولقد جاء ذلك في ظل الاضطرابات التي شهدتها إستونيا في تلك الفترة من الروس الموجودين في إستونيا وتوجيه الحكومة الروسية لانتقادات شديدة للحكومة الإستونية. وفى أغسطس 2008، واثناء النزاع المسلح ما بين جورجيا وروسيا، تعرضت جورجيا بالتزامن مع الهجمات العسكرية إلى هجمات الحرمان من الخدمة والتي استهدفت الموقع الخاص بالرئيس الجورجي، وعدد كبير من الوزارات، والمواقع الإخبارية. وفى عام 2009، في ظل الهجوم الإسرائيلي على حماس في غزة تعرضت إسرائيل وفلسطين لعدد هائل من هجمات الحرمان من الخدمة.
ومن اشهر الحروب السيبرانية تلك الهجمات السيبرانية المنظمة التي شنها مجهولون ضد عدد من المؤسسات الحكومية، والمالية، ووكالات الأنباء في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في الرابع من يوليو من العام 2009م، وقد اتهمت كوريا الشمالية بانها تقف وراء تلك الهجمات الا انه لم يقدم دليل ملموس على صحة هذه الاتهامات.
ان ما ذكرناه هنا هو مجرد امثلة للتدليل على اتساع نطاق الاستخدامات الهجومية لهذه الآلية الإلكترونية، وانتشارها على المستوى الدولي، حيث باتت أحد أبرز التهديدات القادرة على شل حركة الأنظمة الإلكترونية وتعطيل مصالح الدول والحكومات و الأفراد والشركات والبنوك وغيرها من المؤسسات.
وفي الواقع ، فقد ساعدت عدة عوامل على تنامي مثل هذه التهديدات الإلكترونية لمصالح الدول، ومن ثم إمكانية بروز حروب سيبرانية، من هذه العوامل الاتي :
1- تزايد ارتباط العالم بالفضاء الإلكتروني، الأمر الذي اتسع معه خطر تعرض البنية التحتية الكونية للمعلومات لهجمات إلكترونية
2- تراجع دور الدولة في ظل العولمة وانسحابها من بعض القطاعات الاستراتيجية مع تصاعد أدوار الشركات متعددة الجنسيات، خاصة العاملة في مجال التكنولوجيا كفاعل مؤثر في الفضاء الإلكتروني.
3- تزايد اعتماد الدول على الأنظمة الإلكترونية في جميع منشآتها الحيوية جعل من الممكن الاضرار بمصالحها من خلال الهجمات الالكترونية في حالات العداء.
4- قلة تكلفة الحروب السيبرانية، مقارنة بنظيراتها التقليدية، مع إمكانية شن الهجوم في أي وقت ، ولا يتطلب تنفيذه سوي وقت محدود.
5- تحول الحروب السيبرانية إلى إحدى أدوات التأثير في المعلومات المستخدمة في مستويات ومراحل الصراع المختلفة، سواء على الصعيد الاستراتيجي، أو التكتيكي العملياتي بهدف التأثير بشكل سلبي في هذه المعلومات، ونظم عملها.
6- توظيف الفضاء الإلكتروني في تعظيم قوة الدول، من خلال إيجاد ميزة أو تفوق أو تأثير في البيئات المختلفة، وبالتالي ظهر ما يسمي «الاستراتيجية السيبرانية» للدول.
7- اتساع نطاق مخاطر الأنشطة العدائية التي يمارسها الفاعلون، سواء من الدول أو من غير الدول في الحرب السيبرانية ، فقد تشن الدول الهجمات الإلكترونية عبر أجهزتها الأمنية والدفاعية، كما قد تلجأ إلى تجنيد قراصنة، أو موالين لشن هجمات ضد الخصوم، دون أي ارتباط رسمي «د. عادل عبد الصادق ، انماط الحرب السيبرانية وتداعياتها على الامن العالمي».
لذلك برز الحديث في الاونة الاخيرة عن «الامن السيبراني» ، بهدف ايجاد اجراءات وسياسات امنية ومبادئ توجيهية تهدف الى حماية البيئة السيبرانية من الاعتداءات التي تضر بالمستخدمين ، وذلك من خلال تقنيات وتدريبات وممارسات وقوانين دولية واجراءات تمنع الهجوم الالكتروني او تحصره في اضيق نطاق ممكن . فهل يستطيع العالم اتخاذ اجراءات صارمة تبعد شبح الحرب السيبرانية؟ هذا ما ستكشف عنه السنوات القادمة.