ألمانيا…. من بسمارك إلى هيلموت كول 

461ربما يقول قائلون «الناس فى شنو والحسانية فى شنو» ولا أدرى الشأن الذى شغل الحسانية ولكنه بلا شك أمر جلل جدير بالإعتبار، لأن المشار إليهم قبيلة جديرة بالإحترام. ولكنى أفرد هذا المقال لشخصية جديرة بالإحترام هى الأخرى، بل قمينة بإحترام كبير، وهى المستشار الألمانى الأسبق الذى جرت مراسم دفنه فى حفل أوربى تكريمى كبير شارك فيه رؤساء ووجهاء أعلام على المستوى الدولى. وربما رأى البعض مبادرتى هذه وكأنها إنصرافية فى زمان تشتعل فيه فتنة تؤذن بإنقسام عربى جديد وكبير وخطير، ولكن فى مثل هذه الأوقات ربما يصبح الصمت أذكى من الكلام ، لأن العرب قالت من زمان قديم «شرح الواضح فاضح» ولأن الضفدع عندما دعيت للكلام بعد سكوتها بعد نقيق طويل، قالت «فى فمى ماء وهل ينطق من فى فيه ماء»

بسمارك عراب الوحدة الألمانية:
يقولون الحكماء إن المعاصرة حجاب أى أنك قد لا تدرك عظم إنجازات شخص ما أو جماعة ما لا يحجبك عن ذلك إلا لأنك معاصر لها، وربما لو إبتعد عنك فى الماضى نصف قرن لتمكنت من رؤية عظم منجزاته . يصح هذا فى رؤيتنا لمآثر هيلموت كول الذى كان أشبه السياسيين الألمان بالمستشار الأشهر بسمارك. وأهلنا الطيبون يعلمون أن الناس لا تذكر محاسن موتاها بل إنها قد لا تبصر بها قبل موتهم. والسودان دولة بعيدة المنتأى من ألمانيا ،ولكننا ونحن طلاب درسنا دراسة مفصلة تاريخ أوربا وبخاصة تاريخ ألمانيا. وتوسعنا فى باب توحيد ألمانيا بواسطة المستشار الألمانى «أتو فون بسمارك». ودرسنا سياسة بسمارك الداخلية والخارجية وكان فى عهدنا ذاك ، قل أن يوضع إمتحان فى مادة التاريخ لا يكون فيه سؤال عن سياسة بسمارك الداخلية أو الخارجية. فمن هو بسمارك هذا السياسى العظيم الذى يستحق ساستنا في العالم العربى أن يتعلموا منه درس الوحدة والتوحيد ودرس النهضة وبناء القوة الذاتية. فساساتنا أساتذة فى التفكيك والإنقسام وفقهاء فى تبديد القوة الذاتية والإتكاء على الأعداء ،فهل يا ترى سوف يتعلمون أم أنهم مثل آل بوربون لن يفهموا شيئا ولن يتعلموا درسا.
كان «أوتو فون بسمارك» هو موحد ألمانيا الحديثة، من أبرع الساسة فى القرون المتأخرة، فبراعته وقدراته المذهلة على نسج السياسة الخارجية بالداخلية، ومكنته الهائلة على المناورة ورسم التكتيكات السياسية وسمته بلقب «داهية ألمانيا» . كان بسمارك من نبلاء ألمانيا وكان ينتسب إلى مملكة بروسيا وكان ولاؤه لملكها منذ شبابه الباكر. فهو لم يكن ثوريا ولا لبيراليا ولكنه كان وطنيا من الطراز الأول ، ولم يكن تفكك ألمانيا وإنقسامها وصراعات أمرائها ترضيه بل كانت تزعجه وتؤذيه. لأن هدفه كان توحيد ألمانيا قبل النظر إلى من يحكمها وكيف يحكمها من يحكمها. وكان يرى أن هذه الإمارات الألمانية  التى هى في حالة ضعف وتفكك بما يجعلها معرضة ومتاحة للتدخلات الخارجية من القوى العظمى الأوربية آنذاك فرنسا والنمسا، وما أشبه حال عالمنا العربى اليوم بحال ألمانيا بالأمس .أما فى ألمانيا فقد علم بسمارك ان الوحدة الألمانية هي السبيل الوحيد أمام  الناطقين بالألمانية لكي يكون لها دورها في صناعة المستقبل وليت أناس ههنا يدركون أن وحدة الناطقين بالعربية هى السبيل الوحيد للنهضة والقوة والسيادة.
بدأ بسمارك حياته دارساً وممارساً للقانون في المحاكم البروسية، ولكنه سرعان ما استقال ليتفرغ لإدارة أملاك الأسرة ، وما كان بسمارك يخفى إحتقاره للسياسة التى يعاصرها فى موطنه بوجهيها الأوتوقراطى والليبرالى ، ولكنه عندما قرر أن يخوض غمارها أصبح ضمن قلة قليلة معارضة عندما انتخب عضوا في البرلمان، وقد بدأت حركته السياسية الناقدة للأوضاع السياسية تتوسع بعد تعيين أحد أصدقائه، وهو الجنرال «فون روون»، وزيرا للدفاع. قد أسند فون روون لبسمارك مسؤولية تطوير الجيش البروسي، وهو أمر لم ترحب به القوى التقليدية وناهضته القوى الليبرالية خوفا من سياساته التى لا يخفيها والتى تتلخص فيما عرف بسياسة الدم والحديد أى التركيز على بناء القوة والجيش لتوحيد ألمانيا وبناء القوة الاقتصادية لضمان استمرار القوة والوحدة . وقد فتحت صداقة بسمارك لوزير الدفاع المجال أمام بسمارك ليقترب من الملك، فتم تعيينه سفيرا في موسكو ثم باريس، إلى أن استدعاه  صديقه وزير الدفاع على وجه السرعة عام 1862 للمساعدة فى إقناع  الملك البروسي ألا يتنازل عن العرش  إستجابة لضغوط التيار الليبرالي في البلاد، وقد إضطلع بسمارك بدور مهم في إبقاء الملك فى عرشه، وكان من تداعيات ذلك تعيينه رئيسا لوزراء بروسيا.
جاء  بسمارك بخطة عظمى لرئاسة الوزراء. وكان يعلم أنه يتوجب عليه تأخير كل رد فعل سلبى خارجى لسياساته ولذا سعى عبر سياسة خارجية ماكرة وذكية إلى طمأنة منافسيه الخارجيين عبر سياسة خارجية لا تزال تدرس فى المدارس والجامعات. أما على المستوى الداخلى فإن أولوياته كانت فى غاية الوضوح، فتطوير الجيش كان أولويته العليا، لأنه كان على يقين بأن الوحدة الألمانية ستتطلب مواجهات عسكرية مع القوى الخارجية، لا سيما دولة النمسا التي كانت تشارك سياسياً في البرلمان الألماني وتبسط نفوذها على مقاطعات ألمانية ليست بالقليلة العدد ولا الشأن، كما أن فرنسا لم تكن لتسمح بظهور منافس ألماني يخل بمعادلة توازن القوى في القارة الأوروبية، وفوق  ذلك كان لبسمارك معاركه الداخلية مع منافسيه من محازبيه ومن خصومه من التيار الليبرالي، فالليبراليون ظلوا ينظرون إلى الرجل على اعتباره عدوهم الأول، وقاوموا سياساته ورفضوا تمرير أية مشاريع قوانين قد تسمح له بالتوسع في الإنفاق العسكري والإصلاحات الإدارية في البلاد، ولكن بسمارك جعل سياساته فى مرتبة قرارات السيادة واعتبرها جزءا لا يتجزأ من الحقوق السيادية للملك البروسي الذى حظى بثقته إلى المدى الذى أطلق يده فلم يستطع أحد أن يردعه، فإشتدت الخصومة وأتسعت الفجوة بينه وبين الليبراليين من الشعب البروسي إلى أن أصبح الرجل رمزا لما هو مكروه في تلكم الأوساط . بدأت حركة البناء و التطوير تشق طريقها رغم المعوقات وبخاصة فى بناء الجيش، ورافقتها حركة بناء اقتصادى وصناعى وحركة تصحيح إدارى ودعمت سياسات بسمارك الاقتصادية التوحد الألماني من خلال جعل «الاتحاد الجمركي» الذي سبق لبروسيا إنشاؤه حقيقة ملموسة وواقعية بدل كونه شعارا مرفوعا لأغراض السياسة. فسعى بسمارك لتوحيد التعريفة الجمركية مع عدد من المقاطعات المقاطعات الألمانية في ما عرف بسياساتZollverein، وقد ركز بسمارك على  التكامل الاقتصادي وجعلها تأخذ مجراها الطبيعي توطئة للاندماج السياسي في ما بعد، وهو ما حذت حذوه  الوحدة الأوروبية فيما بعد. أما الثورة الإدارية التي أدارها بسمارك وهو رئيس للوزراء، فقد كانت هى القاعدة والأساس للتوحد الإداري لألمانيا، أما سياساته الاقتصادية فقد سمحت لبروسيا بأن تقود الصناعة والتجارة في الدويلات والمقاطعات الألمانية، وأصبحت مسألة توحيد المقاطعات الألمانية مسألة وقت يتحينه عقل سياسى عبقرى فريد وسياسة حسن توقيتها ولا  يؤخرها ولا يقدمها بسمارك عن ميقاتها كثيرا أو قليلاً، ولا تزال سياساته و تكتيكاته  تمثل مدرسة في فنون السياسة والدبلوماسية ولم تكن خالية من الأخطاء ولا التجاوزات فالرجل وإن يكن عظيما فهو شخص بشرى يخطىء ويصيب ويظلم ويُظلم، ولكنه في أقل من عقدين من الزمان  إستطاع تحقيق حلم وحدة الناطقين بالألمانية والتى كانت من قبل حلما بعيد المنال.
هيلموت كول على خطى بسمارك:
لئن جاء بسمارك وألمانيا مقسمة ومستضعفة بين جيرانها فإن هيلموت كول جاء وألمانيا مقسمة ولا تزال تداوى جراحات الحرب والهزيمة وشروط ما بعد الهزيمة. ولئن كان بسمارك قد بدأ بالجيش وبالصناعة والاقتصاد فلم يكن فى مكنة هيلموت كول أن يحذو حذوه فى جعل أولوية لبناء الجيش، بسبب الشروط التى فرضها الحلفاء عالى ألمانيا، ربما أيضاً لم يكن فى حاجة لذلك بسبب تغير الظروف. فما عاد الجيش الألمانى وحده ليغنى بعد تغير طبيعة الحرب بل تغير طبيعة الجيو سياسة، لذلك كانت أولوية كول هى إستعادة وحدة ألمانيا المقسمة وبناء وحدة أوربا. فلم تعد أوربا القوية الموحدة خطرا على ألمانيا ،ماعادت فرنسا ولا النمسا خطرا على ألمانيا، بل الدولة الأيدولوجية الكبرى التى كانت تحول دون الوحدة الألمانية هى الإتحاد السوفياتى وحلفها حلف وارسو. لذلك فإن تفكيك الدولة الأيدولوجية هو الهدف. ولايتحقق الهدف إلا بأوربا موحدة قادرة على منع التمدد الأيدولوجى وردع التوسع الجغرافى لأحلافه العسكرية . ولابد أيضا من صيانة التحالف الأطلسى ليكون حاجزا ورادعا. ولئن بنى بسمارك وحدة ألمانيا بالقوة والاقتصاد فقد بنى كول وحدة أوربا بالاقتصاد فتبنت ألمانيا كل مبادرات تعزيز الوحدة الأوربية وبخاصة الاقتصادية وحرية الإنتقال والعمل. وكانت الوحدة الوطنية والأوربية هى الشغل الشاغل بالنسبة لهيلموت كول. وتُوازى إنجازاته لألمانيا بانجازات أتو فون بسمارك الذي وحد ألمانيا قبله بقرن من الزمان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من تعقيدات الوضع الدولي وتذبذب مستوى الأداء الاقتصادي لبلاده أبان العديد من سنوات فترة حكمه، إلا أنه إستطاع عبر دبلوماسية مثل دبلوماسية بسمارك أن يقنع زعماء أوربا والعالم أن الوحدة الأوربية لن تشكل تهديدا لأحد. وقد كان ذلك نجاحاً تاريخياً اعترف به خصماؤه من الداخل والخارج. وبعد سقوط جدار برلين، تقدم كول بخطة من عشر نقاط لحل مشكلة انقسام ألمانيا وتعزيز وحدة أوروبا من ناحية أخرى.
وبعد تجاوز تقسيم ألمانيا، ركز هيلموت كول جهوده على العمل من أجل تحقيق مشروع الوحدة الأوروبية لتكون فى قوة وحدة الولايات المتحدة الأمريكية فقد علم أن أوربا لن تستعيد مكانتها فى قيادة العالم إلا وهى موحدة ولن تستطيع تجنب التنافسات الداخلية والحروب الإقليمية إلا وهى موحدة. وقد أدرك المخاوف من نهضة ألمانيا الموحدة ، لذلك عمل على تأكيد أن ألمانيا الموحدة جزء من أوروبا الموحدة .ومن هذا المنطلق بذل جهودا خارقة لتحسين صورة ألمانيا في الخارج و بناء أواصر التعاون مع الدول المجاورة وخاصة مع فرنسا رغم المسافة الأيدولوجية بينه وبين الحزب الاشتراكى الفرنسى ورئيسه ميتران. وهكذا واصل وعزز مع فرانسوا ميتران المشوار الذي قد بدأه من قبلهما كونراد أديناور مع شارل ديغول. ومن الجدير بالذكر أن التفاهم والعمل المشترك بين كول و ميتران هو الذى جعل القفزات الواسعة للاتحاد الأوربى ممكنة .وشكلت إزالة الآثار النفسية والواقعية نقطة المنطلق لهذا الانجاز. وقد تحقق ذلكم النجاح من خلال التفاهم والتعاون على مشاريع ثنائية وجماعية. وعلى رأس ذلك مشروع الوحدة النقدية الذى أنشأ العملة الأوروبية المشتركة يورو وكذلك مشروع حرية الإنتقال الذى جعل تعارف وتعاون الأوربيين ممكنا.
يتفق كثيرون أن هيلموت كول مثل بسمارك لم يكن شخصية ذات جاذبية وكأنه كان رجل سياسة ورجل دولة من الطراز الأول. كان رجل التدبير والكياسة والبراعة السياسية والدبلوماسية. وقد نجح فى تجاوز مشكلات وعقابيل إعادة توحيد ألمانيا بسياسة تمييزية لصالح الشق الشرقى الذى كان يحتاج لسرعة اللحاق لتحقق وحدة ألمانية حقيقية. ورغم أن مثل هذه السياسات قلما ما تتحقق لها الشعبية إلا أنه مضى بعزم فى إنفاذها كما كان يفعل سلفه بسمارك فى مثل هذه الأحوال. بل أنه قدم لخلافته شخصية على شاكلته فى الحزم والعزم من ألمانيا الشرقية وهى المستشارة أنجيلا ميركل التى ظل يسميها ابنته رغم إختلال العلاقة بينها بسبب موقف ميركل من فضيحة التبرعات التى أطاحت بهيلموت كول
كانت ميركل عالمة أبحاث سابقة تحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، ثم دخلت ميركل السياسة في أعقاب ثورات 1989، وخدمت لفترة وجيزة كنائب للمتحدث باسم أول حكومة منتخبة ديمقراطيا في ألمانيا الشرقية برئاسة لوثر دي مايتسيره في عام 1990.
بعد إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، تم انتخاب ميركل لعضوية البوندستاغ وأُعيد انتخابها منذ ذلك الحين بغير إنقطاع. كما عُينت ميركل بمنصب وزيرة المرأة والشباب  في الحكومة الاتحادية تحت رئاسة هيلموت كول في عام 1991 والذى قربها إليه كثيرا .وبعد خسارة الحزب للإنتخابات فى العام 1998 صارت أنجيلا ميركل الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي قبل أن تصبح أول زعيمة للحزب بعد عامين في أعقاب فضيحة التبرعات التي أطاحت براعى مسيرتها السياسية. وقبل أيام وقفت ميركل لتلقى خطبة وداعية مؤثرة عددت فيها مناقب رجل من عظماء الزعماء فى القرن العشرين مثلما كان سلفه بسمارك من عظماء الزعماء فى القرن التاسع عشر. وربما يذكر الناس مآثره أكثر عندما يمضى الزمان فى مسيرته التى لا تتوقف بحياة إنسان أو مماته، لكننا فى هذا الجزء من العالم نحتاج لإستخلاص دروس من تجربته لعلها تعين على تجاوز واقع لايزال يثير الأحزان والأشجان يوما بعد الآخر.