الذكرى في سوح الكلم: بين جدي ولبيد بن ربيعة العامري! ..

د. الخضر هارون

د. الخضر هارون

قال: تمرد جدي ، عم أبي، على أبيه الشيخ وقد كان أثيراً عنده مقدماً على أشقاء يكبرونه فقد كان حاد الذكاء سريع الحفظ ، راجح الرأي رغم اليفاع وصغر السن، قليل الهذر في سماحة وطيب نفس وتبسم لا يفارق وجهه الصبوح. أتم حفظ التنزيل وهو في الثامنة ، لذلك ادخره أبوه ليكون خليفة له على شياخة المسيد ورياسة الناس. نعم فقد غادر القرية في جنح الظلام وهو في نحو الثالثة عشرة من العمر ضارباً في الأرض حتي انتهي به المطاف إلي الأزهر الشريف الذي مكث في حلقاته نحو عام ثم تركه حيث لم يشف غليله من المعارف متنقلاً بين عدد من المشايخ في الزيتونة في تونس وفي صعيد مصر ثم التحق بعد أعوام بدار العلوم فحاز على إجازتها السنية ثم نهل من كلية الآداب في قاهرة المعز، قسطاً من الفرنسية مكنه من دس نفسه في باخرة حملته إلي مدينة النور ، باريس الفخيمة. غاص في أحيائها الفقيرة وتردد على مقاهيها ذات الصيت ومطاعمها في الحي اللاتيني ، حتي أتقن الفرنسية فنهل من كنوز صحافتها ومجلاتها الثقافية وأقبل على أشعار فحول شعرائها الأقدمين والمحدثين فتفرنس ووضع «البوريه» على هامته الضخمة. ثم لم يلبث بعد حين أن بلغ مبتغاه من كل ذلك حيث أدمن التطواف على مسارحها ومتاحفها حتي بلغ حد التخمة من ذلك كله، فعاوده حنين جارف إلي مراتع الصبا الباكر ، واسترجع ذكرى هوج الرياح تعصف بجذوع النخل عصفاً أوان الفيضان فتساقط البسر الأخضر والذي أصفر من جناها على صفحة الماء المحمر بفعل الطمي الكثيف القادم طراً من هضاب الحبشة والذي يتيح لأسماك القرموط التخفي والتقاط المتساقط من جني النخيل ، والصبية يتصايحون يتقاذفون بالبسر وضحكاتهم البريئة تشيع البهجة والحبور في أركان المكان ثم يقذفون بأجسادهم الناحلة في عمق النهر الجسور الثائر الذي لا تعرف سببا لثورانه، أمن عُجب بجبروته في ذاك الأوان من العام أم غضباً من رياح عاتية تنال من سرعة جيرانه إلي المصب فتلهب ظهر الشواطئ التي يضنيها الإنتظار كل عام طمعاً في نواله حتي تغدق هي على الناس من جروفها، اليانع من ثمرات اللوبيا والترمس والذرة الصفراء. أم أن هذا النهر العظيم قد طرب لحبور الأطفال وبادل فرحتهم بثورانه الواهب للحياة فرحا بفرح . فكر في العودة إلي هناك بغرض الزيارة ثم الرجعة إلي باريس لكن غلبه الواقع الذي اعتاده فأوهي عزائمه .ولعله خاف مصيرا كمصير مصطفى سعيد فهو يحيا حياة كحياة ذلك الرجل اللغز الذي صنعه خيال الطيب صالح عنوانا لإستحالة الجمع بين الماء والنار. وراعه ما تخيل من نظرات الخيبة في عيون أناس رجوا فيه رجاء الأمل والصحبة والشياخة. كيف لو رأوه أو تخيلوه يضع قبعته على رأسه ويقضي الليل متنقلاً بين الحانات ومواخير المدينة الكبيرة لا يلوي على شئ ؟ وهكذا سرعان ما يسقط الفكرة من رأسه متشبثاً بالبقاء . كان إن راق مزاجه خرج في« العصريات» يحمل عصاه على عاتقه ينشد بصوت حسن جهوري مقدمة معلقة لبيد بن ربيعة العامري وقد كان كلفاً معجباً به يقارن بين أسلوبه وأساليب شعراء الفرنجة في الحفاوة بالذكرى. يزعم أن الذكرى محاولة لحبس الزمن في أمكنة شهدت الحادثات قد تكون دمنا بالية وبعر آرام وقد تكون صخرة شاخصة تطل على محيط أو حطام سفين على شاطئ ضم محبوبين في لحظة فرح، لا فرق ذلك كله يخرج من مشكاة واحدة سواء اتفق ذلك الوقوع مع أزمنة الجاهلية الأول أو عصور التنوير والحضارة الراهنة .
عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
والفرنجة يهيج الذكرى لديها ما كان من غزوات البحار والقرصنة واجتياح المجاهيل على السفائن العظيمة والملاحم التي يستعر فيها القتال فتسيل الدماء حتي تلون زرقة البحر. والعرب تفتأ تذكر البيداء والجمال والأفراس المخضبة ظهورها بالدماء والأشلاء! كل يغني على ليلاه لكن ابن زياد فاتح الأندلس نجح في محاكاتهم وهو ما أدهش محمود طه المهندس فقال مستغرباً :
أين القفار من البحار و أين من جنّ الجبال عرائس الدّهماء ؟
حتي نحن على تخوم أوطان العرب البعيدة نعيد رجع الصدي:
ما دايرا لك الميتة أم رماداً شح
دايراك يوم لقا بدميك تتوشح
الميت مسلوب والعجاج يكتح
أحي يا على سيفو البسوي التح!
نبقي نحن الناس ويتغير المحيط من حولنا، ذات المشاعر المتنافرة في الأثرة والإيثار و في الحب النبيل والبغض المدمر. قال لي ذلك وكأنه يلتمس لنفسه الأعذار في عزوفه عن المجئ إلي البلد و « الذكرى سلوي في كل زمان وفي سائر الأمكنة، مزية خص الله بها الإنسان دون سائر المخلوقات «. كيف وقد شاخ أعزب تغضن إهابه وغارت شلوخه فبدت كأخاديد قديمة. لقد استعاض عن المجئ بان أرسل يطلب من أخيه أن يرسل إليه ولده الذي هو انا إلي باريس لتلقي العلوم والمعارف. وغلب في ظني أنه أراد أن يري البلدة التي هجرها صغيرا مجسدة في شخصي الضعيف واحتفي بمقدمي كل الحفاوة وبكي كالأطفال وهو يعانقني مرة ومرات.. يسألني عن زينب والسارة وعن حبه الأول في سني مراهقته الباكر «زينة بت الحاج سعيد » وعن خادم الله وحاج خلف الله وجبارة الله حاجب العمدة كيف فعل وعن المسيد الذي رجاه جدنا الوقور ليكون خليفته عليه. قلت بقيت منه المبان وانفض سماره وأصبح ديوان القرية للعزاء وتلقي المعزين فخنقته العبرات فخرج مسرعاً من المكان كي لا أراه يسرف في البكاء كما فعل ساعة مجيئي.
أجهد نفسه في تعليمي الفرنسية كان كمن يسابق الزمن. كان كثيرا ما يطلب مني إلقاء الشعر عليه وكنا نتناقش ونختلف في تقييم القصائد فأنا في المعلقات معجب بذهبية عنترة، بينما كان هواه مع لبيد.يحب في لبيد فخامة العبارة فلبيد مثل عنترة فارس من سادات العرب أدرك الإسلام فاسلم وجاهد في سبيله فهو صحابي من الصحابة في عباراته رهج السنابك ونقع المعارك والغارات يسير على نهج أضرابه من فحول شعراء الجاهلية يبتدر القصيد بالبكاء على الأطلال حيث كانت المحبوبة ولكن بعبارات وكلمات هادرة كالسيل أو كقذائف الموت الحارقة:
ومدافع الريان عري رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها
والمدافع أماكن يتدفق منها الماء ويندفع بغزارة في موضع في جبل الريان لكنها استخدمت اسما على السلاح الفتاك بعد اختراعه في العصور الحديثة يندفع من فوهاتها ليس ما يسبب النماء كالماء أصل الحياة والأحياء لكن الحمم الحارق المفضي إلي هلاكها. قلت صاحبك يلبس كلمات الذكرى الحبيبة أبواق الصخب والضجيج وصيحات المعارك الضارية وفي غناء الغرام مندوحة عن ذلك كله، تامل كلمات صاحبك الوعرة:
دمن ترجم بعد عهد أنيسها حجاج خلون حلالها وحرامها
تأمل قوله «تجرم»! ثم عواصف تلي ذلك:
رزقت مرابيع النجوم وصابها ودق الرواعد جودها فرهامها
قلت: قارن ذلك بقول مواطننا عنترة وعباراته الحانية الودود في مخاطبة حبه:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
قال ضاحكا لم تحسن الحفظ تجد مثل ذلك عند لبيد كما تجد الوعورة بعينها وأكثر في ذهبية صاحبك فارس بني عبس: تأمل قول لبيد في محبوبته :
مُرية حلت بفيد وجاورت أهل الحجاز فاين منك مرامها
الشعر يابني ، قال، فيضان الوجدان يذوب رقة كنسيم الصبا أو يهدر كسيل العرم أو كجلمود صخر حطه السيل من عل.الصخب الرنان كصخب أبيات لبيد ليس دالة على البداوة فالموسيقي التي تستهوي الشباب في عصرنا هذا صاخبة إلي حد الجنون أحسب أنها تروم الوضوح والتعبير الحر عما يجيش في النفس بلا مخاتلة وادعاء كاذب يتصنع الرزانة يتخفي في قفازات من المخمل! ومع ذلك لا أقول إن الرقة في القول نقيض الصدق عن مكنونات الدواخل وأنها على الدوام مخاتلة لكن أقول كل ينفق من تجربته وتركيبة وجدانه فلا نسقط الظنون على ما لم نألف ولا نقصر الخير والجمال على هيئة واحدة لا تتغير فالدنيا أجمل بالألوان. ولبيد فارس مغوار شهد الوقائع وركب الصعاب فلا غرابة أن تحمل عباراته بعض ذلك. تأمل بيت قطري بن الفجاءة كيف جاءت أشعاره كقاذفات اللهب وهو يخوض المعارك:
أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
قلت أشكل علىّ سأمه من الحياة وتوقه للموت والمغادرة حين قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
قال: قيل إنه قالها لما جاوز المائة وهي جزء من قصيدة جميلة مطلعها:
قُضي الأمورُ وأنجز الموعود والله ربي ماجد محمود
يقول فيها ، وكأنه يجيب على سؤالك:
يوم إذا يأتي علىّ وليلة وكلاهما بعد المضاء يعود
وأراه يأتي مثل يوم لقيته لم ينصرم وضعفتُ وهو شديد
تأمل قوله عن سير الأيام السرمدي على ذات المنوال بلا كلل ولا ملل تسير مسارها دون ما وهن لا نصب بينما يضعف هو ويصيبه الوهن وتناله أعراض الفناء. لقد عدد في تلك القصيدة كما تري ما شهد من أحداث وأبان أنه أدي دوره وقام بما أملته عليه الظروف من خدمة أهله والذود عنهم فكأنه لم يعد يبالي إن غادر الفانية ورحل:
وحميت قومي إذ دعتني «عامر» وتقدمت يوم الغبيط وفود
أكرمت عرضي أن يُنال بنجوة إن البرئ من الهنات سعيد
وشبيه بذلك قول زهير بن أبي سُلمي:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
قال: يتأسي بعض شجعان الفرنجة عند دنو الأجل بالقول : لقد حان وقتي! ويستبطن قولهم حكمة مفادها أن لكل مخلوق أوان للرحيل ففيم الجزع؟ واستطرد يقول : يبدو لي ان الوحدة تلد العزلة والعزلة مطية السأم فإذا طال بالإنسان العمر وغيب الموت من شاركه الذكرى من الأهل والأصدقاء والجيران وزملاء المهنة فلم يجد من يؤانس استوحش. انعكس الحال فقط عند غبريال غارسيا مارسيل في رائعته « مائة عام من العزلة» حيث استوحش صاحبه الغجري «ميلكيادوس» صديق «هوزي أوركايدو بيونديا» من الموت فعاد للحياة بعد أن مات لأنه لم يطق صبرا على الوحدة الموحشة في الموت هناك وانه قد هرب بجلده من بقاع يغشاها الموت إلي هذا الصقع البعيد الذي لم يكتشفه الموت بعد! قال ذلك وضحك طويلاً ثم قال ألا تري الشيوخ والعجائز يحسنون المؤانسة ويتجمعون في حميمية لا تخطؤها العين يجترون ذكرياتهم وخيباتهم معاً؟ وإذا تساقط أولئك وفنيت آجالهم جلس من بقي منهم على قيد الحياة وبين الأحياء وحيداً ضجرا قد تسلل إلي حياته الملل فباخت عنده الحياة : يتذكر واقعة يرويها بحماسة في مجلس وهو يتفرس وجوه السامعين فلا يجد بينهم من يتفاعل معها ويستأنس تارة بطرفة يقولها في مجلس آخر لم يشهدها معه شاهد، فلا يحظي بسوي ابتسامات مجاملة بعضها صفراء! فيبدو غريبا بين الأحياء ثم يصيب الضجر نفسه و يلازمه الملل، فيتهامس في حضرته الأقارب قبل الأباعد يظنون به الخرف قبل أن يبلغه. عندئذ يستبطيء مجي هادم اللذات وهازم المسرات التي لم يعد له فيها من نصيب فيتمني أمنية لبيد وزهير. وحسب المنايا أن يكن أمانيا كما قال أبو الطيب.
علمت عندئذ عمق معاناته وأنه يعيش تلك الوحشة التي وصف ، وانها سبب مجيئ إليه وأنني بالنسبة له مثل الطلل البالي والأثافي والنؤيا تحمل ما يتساقط من الأمطار بعيدا عن الخيام، تحيي موات الذكريات الحبيبة إلي النفس كأنما الذكرى هي الحياة الحقة، فأحجمت عن البوح بسؤال كدت ألقيه عليه: تري أكان يسأم لبيد وزهير من طول العمر لو جئي بهما إلي باريس بمباهجها التي لا تنتهي وطوفوا بهما على شواطئ نهر السين وعلى ساحات مخضرة خضرة طاغية وبحيرات بهية تزين شطآنها الأزاهير في مواقع عديدة من تلك المدينة العجيبة؟ أو أخذوهما إلي شواطئ اللازورد الحالمة ؟ ألم تسحر الشواطئ الشبيه بها في نابولي طه حسين الذي رآها بعين البصيرة خيالاً بديعاً يبهج الروح أشرك في متعته تلك صاحبه الكفيف مثله ابوالعلا شيخ المعرة الفيلسوف الشاعر؟ حيث قال في «مع ابي العلاء في سجنه» :
فلَمْ أكَدْ أبلغ مدينة نابولي، وأنفق فيها يومًا وبعض يوم حتي خرجْتُ للتروض مع أسرتي على سواحل هذه المدينة، وبينما كانت زوجتي وابنائي وصاحبي ينظرون إلي البحر والسماء، وإلي الجزر والرُّبي، وإلي هذه المناظر الكثيرة المختلفة التي كانت تُحْدث لهم متعة، وتُطلق ألسنتهم بالإعجاب، وتُبهر نفوسهم وتَسْحر قلوبهم، كُنْتُ أحسُّ هذه الطبيعة التي لم أكن أراها ولا أتصورها، ولا أعرف لها كُنْهًا تدنو مني قليلًا قليلًا، ثم تَنْفُذ إلي نفسي، ثم تملأ قلبي رضًا وأملًا، وحبًّا للحياة.
ساءلت نفسي مجدداً أكان يغشاهم السأم والزهد في الحياة هنا بين المروج الخضر وزرقة البحر والسماء الأخاذة تظلل المكان ؟ وأبوهما آدم قد رام الخلود الأبدي؟
أجبت نفسي : أي نعم مع ذلك كله ، يعتريهم ما اعتراهم فالناس هنا ومع سحر الطبيعة ورغد العيش يبلغ بهم التبرم وكراهية الحياة حد الإكتئاب فيقتلون أنفسهم وبأيديهم . ولله في الخلق شؤون!