أنصح .. ولا تفضح

420«1»
النصح يعني إصلاح الشيء، ونصح القول أخلصه لأنه «يلم شعث أخيه» ، ونصح الثوب أخاطه ، والتوبة النصوح تقال لأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة»، وقال الامام الطوسي والنووي «بل هو وحده محصل لفرض الدين كله» – يقصد حديث النصيحة، وقال جرير بن عبد الله لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على «من اقام الدين وايتاء الزكاة والنصيحة لكل مسلم».
وجاءت النصيحة في القرآن الكريم على ألسنة الرسل والأنبياء، وقد نصح نوح قومه، قال تعالى «أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون» «الأعراف62» وهود «أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين» «الأعراف68»، وكذلك نبي الله صالح وشعيب ، فهذه هي أبلغ الرسالات وأكملها تصل للناس بالرفق والنصح وفق شروط وآداب ومقام لكل مقال.
«2»
قال بعض العلماء ان الكلم الطيب يصعد لله واستدلوا بقوله «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور» «فاطر10»، والتماس أطيب الكلمات من شروط النصح حيث يأنفون عن الألفاظ الفظة والمنفرة، قال تعالى «وقولوا للناس حسناً» «البقرة83» ومن سمات المؤمنين أن قولهم طيب «وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد»، فقد مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليلة بقوم وقد أشعلوا ناراً وقال لهم منادياً «يا أهل الضوء» ولم يقل لهم يا أهل النار، وسئل العباس رضى الله عنه: «أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا ولدت قبله».
أنظر إلى هذا التلطف في الخطاب قال تعالى «اذهبا إلى فرعون انه طغى٭ فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى» «طه43» وهذا الفرعون بكل جبروته جاء التوجيه الالهي بأن يخاطباه بلين ورفق رجاء أن يخشع ويؤمن.
«3»
٭ قال رجل للأحنف بن قيس: أخبرني الثقة عنك بسوء؟ قال الأحنف: الثقة لا ينم، أي لو كان ثقة لما نقل النميمة، فالأصل في النصح الستر، وكان يقال «من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيره» وكان الفضيل بن عياض يقول «المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير».
ويروى عن الامام الزهري أنه خرج يوماً من مجلس هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم ولا سمعت أربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام، إذ دخل عليه فقال «يا أمير المؤمنين، أحفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك، قال هشام هاتهن، فقال لا تعدن عدة لا تثق من نفسك في انجازها، ولا يغرنك المرتقى وان كان سهلاً إذا كان المنحدر وعراً وأعلم أن الأعمال جزاء، فاتق العواقب وأن الأمور بفتات فكن على حذر».
اللهم نسألك صلاح الحال وثبت قلوبنا على دينك.. يا أرحم الراحمين..