ويسألونك كيف تعبأ الجماهير ؟

422<ليس من السهولة أن ندفع شخصاً  أو جماعة نحو عمل معين أو اتخاذ موقف حاسم ، إن لم يبذل الجهد معه  لتكوين عقيدة دافعة وحركة تلقائية ، ذلك لأنَّ الاندفاع دون روية وتثبت ، كثيراً مايحدث بناء علي تحريض واستغلال لحالة من كان ضحية للتحريض بفعل جهلٍ  يعاني منه ، أو معلومات مفبركة ، وجدت طريقها لتنسج لها شبكة عنكبوتية ، بأدمغة تفتقر إلى الوعي فتصبح مصيدة للخداع .
< والتعبئة بالفكر وقوة المبادئ ، هي التي تعول عليها الجماعات الجادة، والحركات الإصلاحية ، باعتبار أنها تستعين بما يحرك الدواخل موقظاً للعزيمة إذا فترت ، والإيمان إن أصابه الضعف ، والهمة إن لحق بها الذبول ، وهي التعبئة التي لا تقتصر على إهاجة المشاعر ، والتوقف عند نتيجة الحماس المفضية إلى الثورة التي لا تتجاوز ظاهرة هياج الإبل والثيران .
< وأذكر أننا عندما رفعنا شعارات العودة إلى الجذور ، وتحكيم الدين في حياتنا ، وأتبعنا ذلك بمواقف عملية ، وسلوك للقيادات قبل الأتباع ، حدثت التعبئة ، فلم يُجبر أحدٌ على حمل السلاح ، أو  يدفع شابٌ لخوض غمار المعارك ، لكنهم جميعاً هبوا بشكل تلقائي ، وبدافع عقدي ، إلى درجة أن قوافل  المجاهدين ، كانت كالسيل المنهمر ، والبحر الهادر ، ويومها لم نكن في حاجة إلى جنديٌ يدافع عن حياتنا بنيل أجر مقابل الذي نهض من أجله ، لكنه هكذا تطوع ، وهكذا بذل نفسه ، ووهب دمه نتيجة لما آمن به  من واجب، بغرض كسب الدنيا برعاية الدين ، ونيل الآخرة إبتغاءًٍٍٍِِِِ للآجلة التي تبقى مكاسب الحياة أمامها لا تسوى شيئاً ، ولوكانت تسوى ، لما تمتع الكافر بها بقدر جرعة ماء .
< ولو أننا ، أردنا ، تحرك الأمة ، نحو المقاصد العليا والأهداف ، النبيلة بالمصداقية ، والطرح الواقعي ، فإننا لسنا بحاجة إلى أنغام للطرب ، أو جوقة للموسيقى ، ذلك لأن الذين تتحرك مشاعرهم فقط عندما يداعب المتخصصون أوتار الآلات الموسيقية ، هم أولئك الذين يرقصون على وساوس الشيطان عندما يوحي لهم زخرف القول غروراً  .
< أما الذين يعقدون العزم على أمرٍٍ خطير ، ويقررون خوض معركة يستهدفون من خوضها الانتصار ، لا يحتاجون إلى من يدغدغ مشاعرهم بألفاظ معسولة ، أو عبارات تحريضية ، ذلك لأن التحريض على القتال ، لا ينتج مفاعيله بنوعية المفردات ، لكنه يكون كذلك عندما يعتمد على المغازي ، والمعاني ، والأصول التي من شأنها أن تعمرِّ الإيمان .
< وقديماً كانت الجماهير تهتف بحياة الأشخاص ، ظناً منها  بأن بين بني البشر من هم أصحاب حق في المنح والمنع ، غير أن مثل هذا الفهم الخاطئ قد ذهبت به علوم الحياة ، وتطورات الزمان .
<وتذكرون كيف أن الناس ، حتى في مجال المصالح المادية ، والمنافع الحياتية ، هم  اليوم لايتحلقون حول شخص ، الإ إذا ضمنوا مصلحة تصب لصالحهم جراء تكالبهم حوله ، فإذا انتفت عنه مثل تلك العناصر ، افرنقعوا عنه ، وتركوه وحيداً في منزله لايزوره الإ الأقارب ، وذوو الأرحام .
< ولقد حدثني وزيرٌ بأنه أصبح كراعي غنم إبليس يجلس أمام المنزل ، بعد أن أعفي  من منصبه ، والكثيرون ممن كانوا يطرقون عليه الباب ، استكثروا عليه  حتى كلمات التحية والسلام .
<وبناء على التجارب الماثلة ، وهي أكثر من واقعية ، علينا ألا نعبئ من نريد استقطابه في صفنا بعرض زائل ،أو منفعة مؤقتة ، وأن نستهدف ربط النّاس بنا بما نحمله من مُثل ، ونتمتع به من قيم ، لأنها هي التي تضمن لنا تحرك الأفئدة ، وضخ الدماء الحارة من مصدرها الأصيل لتتدفق في أوردة وشرايين القلوب ، وسبحان الله الذي يتولى تقليبها كيف يشاء.