ما وراء الكتابة الجديدة

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

خلال عقد من الزمان وربما أكثر، تغيرت تقنيات الكتابة بكافة أشكالها، ليس على مستوى المضمون والشكل فحسب، بل «الآلة» التي تنتج هذه العملية المتعلقة بالإنسان نفسه والظروف المحيطة به وكافة المحفزات الذهنية والنفسانية، وهذا يعني ببساطة أن هناك شكلا جديدا من الكتابة يتشكل بناء على هذه المتغيرات. ومع هذا «الضجيج» ترتفع أصوات وتنخفض، وتبدو مماحكات لنمو تيارات جديدة، أو مستعادة لصور معينة من الكتابة لا تلبث أن تموت أو تستمر في النمو دون وعي إدراكي كبير بها، وقد يتوفر ذلك الوعي فتقوم مدرسة جديدة ناضجة تماما.
في شكل الكتابة الجديدة أو نحو تبلورها، تنتهي أو تتضاءل كثير من القيم والمفاهيم القديمة، وعلى رأسها الأفكار «الكلاسيكية» المعتادة ابتداء من مفهوم الموهبة والتسجيل الأوتوتاتيكي للقص أو الشعر وليس انتهاء بنهاية فكرة التدوين التخييلي القائم على مجرد الخاطرة والتهويم الذاتي واستنزاف الروح، كذلك الاستفادة مما يتحرك به العصر الراهن من أدوات ضاخة للمعلومات والمعارف وعلى رأسها الانترنت، الذي أحدث وما زال يكوّن ثورة حقيقية في أنماط الكتابة ووعيها وقد سبق لأمبرتو إيكو أن أشار لذلك مبكرا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وهو يتكلم عن نوع جديد من السرد التشعبي الجماعي – على سبيل المثال – بحيث يتشارك مئات بل آلاف البشر في صناعة نص تسلسلي قد يكون مغلقا أو بلا نهاية محددة، بما يشبه التراث الشعبي المتناسل.
إن التغير الذي يحدث لا يعني مجرد التحول من الكتابة بالقلم إلى الكي بورد والشاشة، ولا يعني إتاحة الكتابة لشريحة كبيرة من الناس، بحيث أصبح التدوين فعلا جماعيا اليوم، وأصبح يؤثر في مساحة الشفاهية التي كانت واسعة لاسيما في مجتمعاتنا، فالآن يتجه أكثر الناس للتعبير عن أفكارهم وقصصهم وهواجسهم النفسية من خلال وسائط كالفيسبوك والوتس آب وغيرها، بغض النظر عن اللغة، فصحى كانت أم دارجة، فاللغة تظل أداة توصيل لها حمولتها الدلالية العميقة، وفي الدارجة يمكن أن يتضح الأمر بشكل أكثر. وهذا يشير لمسألة جديرة بالنظر في إحياء اللغات المحلية، وتدوينها، بل إنتاج قواميس لها ونحو وصرف وغيره. وهي من تجليات «بعد/ ما بعد الحداثة» حيث العودة إلى حيز الشعبي والعادي «البوب» بعد أن اتجه العالم من ذي قبل إلى تواصل جمعي ظن الناس وقتها أن العالم سوف يتوحد في لغة واحدة فقط، ومسار معرفي واحد. على العكس فإن النتائج تبدو الآن في هذا التفريع الذي يعيد الاعتبار لكل المحلي والتراثي والشعبي. مع الوضع في الاعتبار أن ذلك لا يعني أن مفهوم «المحلية» يظل بالصبغة نفسها التي كانت مستخدمة منذ أربعين أو ثلاثين سنة.
إن الموضوع معقد وكبير، ولا يزال يتشكل، بحيث لم يصل إلى محطته الأخيرة ولن يصلها. وبهذا فإننا أمام حركة رائعة في الفنون والأدب تحتاج مزيدا من الإضاءات النقدية، بحيث أن سؤال النقد نفسه لم يعد بالشكل القديم الذي اعتدناه من مجرد ظلال للنصوص أو تأويل، بل يصبح العمل النقدي هو ابتكار المناهج والتصورات الكلية لما وراء الحراك الكوني، وهذا موضوع آخر نلقي عليه الضوء مرة أخرى.